|

الاقتصاد السعودي في عالمٍ متغير

الكاتب : الحدث 2026-08-01 06:01:07

أ.د. محمد بن علي مباركي
عضو مجلس الشورى وكاتب رأي

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك وفق القواعد التقليدية التي عرفها العالم لعقود طويلة. فالأزمات أصبحت أكثر تكرارًا، والتكنولوجيا تعيد رسم خريطة الإنتاج والتجارة، والذكاء الاصطناعي يغيّر طبيعة الوظائف والأسواق، فيما تعيد التحولات الجيوسياسية تشكيل موازين القوة الاقتصادية.

وفي خضم هذا المشهد المتسارع، لم يعد السؤال هو: "من يمتلك أكبر الموارد؟" بل أصبح: "من يمتلك القدرة الأكبر على التكيف وصناعة المستقبل؟"

في هذا السياق، يبرز الاقتصاد السعودي بوصفه أحد أبرز نماذج التحول الاقتصادي في العالم. فالمملكة، التي ارتبط اسمها لعقود طويلة بالنفط، لم تنظر إلى هذه الثروة باعتبارها نهاية المطاف، بل تعاملت معها باعتبارها نقطة انطلاق لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة، قادر على مواجهة المتغيرات العالمية وصناعة فرص جديدة للنمو.

لقد شكّل النفط لعقود الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني، وأسهم في بناء البنية التحتية، وتعزيز المكانة الدولية للمملكة، وتحقيق التنمية. غير أن القيادة السعودية أدركت أن الاقتصادات الحديثة لا يمكن أن تعتمد على مورد واحد مهما بلغت أهميته، وأن الاستدامة الاقتصادية تتطلب تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاجية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.

ومن هنا جاءت رؤية المملكة العربية السعودية 2030، ليس باعتبارها برنامجًا اقتصاديًا فحسب، وإنما مشروعًا وطنيًا شاملًا لإعادة هيكلة الاقتصاد، ورفع كفاءته، وتعزيز تنافسيته، وتمكين القطاع الخاص، واستثمار الإمكانات البشرية والطبيعية للمملكة.

وخلال السنوات الماضية، أثبتت الرؤية قدرتها على تحويل الأهداف إلى واقع ملموس. فقد ارتفعت مساهمة الأنشطة غير النفطية في الاقتصاد، وتوسعت الاستثمارات في قطاعات الصناعة، والتعدين، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والتقنية، والاقتصاد الرقمي. كما شهدت المملكة إصلاحات تشريعية وتنظيمية واسعة أسهمت في تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين.

وجاءت الأزمات العالمية المتلاحقة لتؤكد أهمية هذا المسار. فمن جائحة كورونا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد، ومن موجات التضخم إلى التوترات الجيوسياسية، أظهر الاقتصاد السعودي قدرًا كبيرًا من المرونة، مستفيدًا من قوة مركزه المالي، وكفاءة مؤسساته، وانضباط سياساته الاقتصادية، وهو ما عز قدرته على المحافظة على الاستقرار ومواصلة النمو في ظروف دولية معقدة.

ولم تعد المملكة اليوم لاعبًا رئيسًا في أسواق الطاقة التقليدية فحسب، بل أصبحت تستثمر بقوة في قطاعات المستقبل، مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، والطاقة المتجددة، والهيدروجين النظيف، والصناعات المتقدمة، وهي قطاعات ستشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.

كما تمتلك المملكة ميزة جغرافية قلّ أن تتوافر لغيرها؛ فهي تقع عند ملتقى ثلاث قارات، وتشرف على أهم الممرات البحرية العالمية، مما يمنحها فرصًا استثنائية لتكون مركزًا عالميًا للخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. وقد دعمت هذا الموقع باستثمارات ضخمة في الموانئ، والمطارات، والسكك الحديدية، والطرق، والمناطق الاقتصادية الخاصة.

ورغم ما تحقق من إنجازات، فإن المرحلة المقبلة تفرض تحديات لا تقل أهمية عن الفرص. فالمنافسة العالمية تتجه نحو اقتصاد المعرفة، والتقنيات المتقدمة، والابتكار، والبحث العلمي، وهو ما يتطلب مواصلة الاستثمار في التعليم، وتنمية المهارات، ورفع إنتاجية الاقتصاد، وزيادة مساهمة الصادرات غير النفطية، وتعزيز المحتوى المحلي، بما يرسخ الاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل.

ويبقى الإنسان السعودي هو العنصر الأكثر أهمية في هذه المعادلة. فالموارد الطبيعية يمكن أن تمنح الدول ثروة، لكنها لا تصنع مستقبلًا دائمًا. أما الإنسان المؤهل، القادر على الابتكار والإبداع، فهو الاستثمار الذي تتضاعف قيمته مع الزمن، وهو الضمان الحقي لاستمرار التنمية.

إن المملكة العربية السعودية لا تنتظر ما ستسفر عنه التحولات العالمية، بل تسعى إلى أن تكون شريكًا في صياغتها. وهذا ما يفسر حجم الاستثمارات في المشروعات الكبرى، والتقنيات الحديثة، والبنية التحتية، والإصلاحات الاقتصادية، التي تستهدف بناء اقتصاد أكثر مرونة وتنافسية.

لقد أثبت التاريخ أن الدول التي تكتفي بإدارة حاضرها تتراجع تدريجيًا، أما الدول التي تستثمر في المستقبل فإنها تصنع مكانتها بين الأمم. والمملكة العربية السعودية تسير اليوم في هذا الاتجاه بثقة، مستندة إلى رؤية واضحة، وقيادة طموحة، ومؤسسات فاعلة، وشعب يمتلك الطموح والقدرة على الإنجاز.

ولعل أهم ما يميز التجربة السعودية أنها لا تنظر إلى التنوع الاقتصادي باعتباره بديلًا عن النفط، بل امتدادًا لقوته، وإضافة إلى مزاياه، وضمانًا لاستدامة الازدهار. فحين تتكامل الموارد الطبيعية مع المعرفة، والاستثمار، والابتكار، والإنسان، يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة المتغيرات، وأكثر استعدادًا لقيادة المستقبل.

إن الاقتصاد السعودي اليوم لا يواكب التحولات العالمية فحسب، بل يسهم في رسم ملامحها، ويؤكد أن بناء المستقبل لا يكون بردود الأفعال، وإنما بالرؤية، والإرادة، والعمل المستمر. ومن هنا، فإن المملكة لا تكتب فصلًا جديدًا في تاريخها الاقتصادي فقط، بل تقدم نموذجًا تنمويًا يستحق المتابعة، عنوانه:"اقتصادٌ يصنع المستقبل، ولا يكتفي بانتظاره".