عندما تُختبر مبادئنا
بقلم : محمد عبد الغني خواجي
كان موظفًا بسيطًا، يعرفه الجميع بابتسامته ولين حديثه. إذا اختلف اثنان كان أول من يسعى للإصلاح، وإذا أخطأ أحد في حقه قال: "سامحه الله." كان يردد دائمًا أن السلطة لا تغيّر الإنسان، وإنما تكشف حقيقته.
ثم جاء اليوم الذي جلس فيه على كرسي الإدارة.
لم يتغير اسمه، ولا وجهه، ولا ثقافته، لكن شيئًا آخر تغيّر. صار القرار بيده، وأصبح الناس يبتسمون له أكثر، ويوافقونه أكثر، ويثنون عليه أكثر. وبعد أشهر، بدأ الموظفون يخرجون من مكتبه بالوجوه نفسها التي كان يخرج بها الناس من مكتب المدير السابق الذي طالما انتقده.
حينها أدرك أحد زملائه حقيقة مؤلمة: لم يكن الرجل يكذب حين كان يتحدث عن المبادئ، لكنه لم يكن يعلم أن للمواقف دوراً في هذا التغيير .
في علم النفس يسمون هذه الحالة "قوة الموقف"؛ أي أن الإنسان قد يتصرف بطريقة لم يكن يتخيلها عندما يتغير ظرفه، أو يشتد عليه الضغط، أو تُفتح له أبواب السلطة والمال والشهرة. ولهذا اشتهرت تجربة "ستانفورد" التي أظهرت كيف يمكن للدور والسلطة أن يغيرا سلوك بعض الأشخاص، وتجربة " مليغرام" التي كشفت مدى استعداد كثير من الناس لطاعة السلطة حتى عندما يتعارض ذلك مع ضمائرهم. ورغم أن بعض هذه التجارب، خاصة ستانفورد، تعرض لانتقادات علمية، فإن الفكرة الأساسية بقيت ثابتة في أبحاث كثيرة: الإنسان ليس معزولًا عن تأثير المواقف التي يعيشها.
وهذه الحقيقة ليست غريبة على ديننا، بل سبق الإسلام إلى تربية النفوس عليها، فلم يعلم المؤمن أن يثق بنفسه ثقة مطلقة، وإنما علمه أن يثق بالله، وأن يسأله الثبات. ولذلك كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك.» ولم يكن ذلك خوفًا من ضعف الإيمان، وإنما إدراكًا أن القلوب بين أصابع الرحمن، وأن الإنسان مهما بلغ من الصلاح يبقى محتاجًا إلى عون ربه.
لهذا كان الصالحون يخافون الفتنة أكثر من خوفهم من الفقر، ويهربون من مواطن الشبهات، لا لأنهم يشكون في إيمانهم، بل لأنهم يعرفون أنفسهم. كانوا يدركون أن النفس إذا اجتمع عليها الهوى، والسلطة، والإغراء، والضغط، فقد ترى الباطل حقًا، أو تبرر لنفسها ما كانت تستنكره بالأمس.
ولعل أكثر ما يورث التواضع أن يدرك الإنسان أن كثيرًا من أحكامه على نفسه لم تمر بعد بأي امتحان . فمن السهل أن تقول: لن آكل الحرام، وأنت لم تُحاصر بالحاجة. ومن السهل أن تقول: لن أظلم أحدًا، وأنت لم تُمنح سلطة . ومن السهل أن تتحدث عن الزهد، وأنت لم تُفتح لك الدنيا. وليس كل من ثبت كان أقوى، بل قد يكون الله صرف عنه من الفتن التي لو نالها الشخص لضعف.
لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى العصاة دائمًا بعين الاحتقار، ولا إلى أنفسنا بعين الإعجاب. فربما كان الفرق بيننا وبينهم موقفًا عاشوه هم ولم نعشه نحن ، أو ابتلاءً لم نذقه، أو بابًا من الفتنة أغلقه الله عنا برحمته.
لهذا، فإن من أعظم نعم الله التي تستحق الحمد، ليس فقط أن يرزقنا الطاعة، بل أن يعافينا من الاختبارات التي قد تسقط فيها الأقدام. فالنجاة ليست دائمًا دليل قوة، وقد تكون في كثير من الأحيان فضلًا من الله وسترًا ورحمة.
ومضة:
ولا تغتر بصلاح لم يمتحنه الابتلاء بعد.