زمالة الإعلام الرقمي.. تأهيل واستثمار
بقلم: خليل القريبي
مستشار إعلامي
كلنا يدرك أن الإعلام قد تغيّر بسرعة، وتغيّرت معه طبيعة المهارات التي يحتاجها العاملون في هذا القطاع، ذلك أن الممارسة الإعلامية اليوم ترتبط بالمحتوى الرقمي والمنصات وتحليل الجمهور والتقنيات الحديثة، وتحتاج إلى كفاءات قادرة على التعامل مع بيئة مهنية تتطور يوماً بعد آخر. وفي وسط هذه التحولات جاءت مبادرة *"زمالة الإعلام الرقمي"* التي قدمتها الهيئة العامة لتنظيم الإعلام بالتعاون مع الجامعة السعودية الإلكترونية، وتُوِّجت مؤخراً بتخريج الدفعة الأولى.
فكرة الزمالة الإعلامية تستحق الاهتمام؛ لأنها تتعامل مع التأهيل الإعلامي من زاوية قريبة من احتياجات سوق العمل، ولأن القطاع يحتاج إلى كوادر تجمع بين المعرفة الإعلامية والمهارات الرقمية، وتعرف كيف تنتج المحتوى وتطوّره، وتقرأ أثره، وتفهم طبيعة الجمهور والمنصات التي يتفاعل معها.
الشراكة بين الهيئة العامة لتنظيم الإعلام والجامعة السعودية الإلكترونية أعطت البرنامج قيمة إضافية؛ فالهيئة قريبة من واقع القطاع وتحولاته واحتياجات العاملين فيه، والجامعة تمتلك خبرة أكاديمية في التعليم والتقنية والبيئة الرقمية. ومن اجتماع الخبرتين جاء برنامج يركز على إعداد كوادر وطنية تمتلك أدوات العمل في المشهد الإعلامي الجديد. وتخريج الدفعة الأولى يفتح المجال لقياس أثر التجربة في الميدان؛ فالقيمة الحقيقية لأي برنامج مهني تظهر في أدوات الخريج، وفي قدرته على توظيف ما اكتسبه داخل مؤسسته، وفي الإضافة التي يقدمها للمحتوى وبيئة العمل.
ومع نجاح التجربة، أقترح تخصيص عدد من المقاعد في كل دفعة لمنسوبي الصحف والمؤسسات الإعلامية العاملة في المملكة، لكونها ما زالت تخوض مرحلة تحول رقمي تحتاج معها إلى قيادات تجمع بين الخبرة الصحفية وفهم الأدوات الجديدة. وتأهيل هذه الكفاءات عبر الزمالة يمكن أن يسهم في قيادة دفة الصحف، تحديداً، خلال المرحلة المقبلة بعقلية قيادية تواكب متطلبات المرحلة.
ويمكن أن يتطور هذا التوجه إلى تأسيس ذراع استثماري داخل كل صحيفة، مهمته بناء مورد مالي جديد ومستدام، عبر التعاقد مع الوزارات والهيئات والشركات والقطاع غير الربحي لتقديم الدعم الإعلامي لأعمالها ونشاطاتها وبرامجها ومبادراتها، وفق استراتيجية واضحة وحوكمة تضمن استقلال القرار التحريري عن النشاط التجاري.
هذا الذراع يستطيع تقديم خدمات التخطيط الإعلامي، وصناعة المحتوى، وإدارة الحملات، والتغطيات المتخصصة، وإنتاج التقارير والمواد الرقمية، وقياس الأثر، مستفيداً من الخبرات المهنية المتراكمة داخل الصحيفة. وهنا تتحول تلك الخبرات إلى أصل مهني قابل للاستثمار ومصدر دخل يساند الاستدامة المالية ويفتح مساحات جديدة أمام الكفاءات الصحفية.
ومن هنا يمكن النظر إلى زمالة الإعلام الرقمي كفرصة تتجاوز تطوير مهارات الأفراد إلى تطوير نموذج العمل الإعلامي نفسه؛ عبر كفاءات وطنية تقود التحول، وصحف تستثمر خبراتها ومكتسباتها، وقطاع إعلامي أكثر قدرة على صناعة موارده ومواكبة مستقبله.