|

اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. معادلة القوة لحماية السلام

الكاتب : الحدث 2026-08-09 11:57:36

 

بقلم: د. محمد الأنصاري
أستاذ القانون الدولي
 - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في السياسة، هناك اتفاقيات تغيّر موازين القوى، وهناك اتفاقيات تغيّر طريقة التفكير. أما اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، فهي تحاول أن تفعل الأمرين معًا؛ إذ لا تقدم إطارًا جديدًا للتعاون الدفاعي فحسب، بل تعكس رؤية ترى أن الاستقرار لا تصنعه الظروف وحدها، بل الإرادة السياسية، وتحميه قوة مسؤولة، وتسنده دبلوماسية فاعلة.

وجاء هذا الإطار الدفاعي في سياق متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، ليؤسس مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن مواجهة التحديات الأمنية المعاصرة لم تعد تقوم على القدرات الوطنية المنفردة فحسب، بل على بناء شراكات مؤسسية تعزز التنسيق، وترفع كفاءة الردع، وتسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار.

ويهدف هذا الإطار الدفاعي إلى تطوير القدرات الدفاعية المشتركة بين الدول الثلاث، وتعزيز جاهزيتها، ورفع مستوى التنسيق الاستراتيجي في مختلف المجالات الدفاعية، بما يعزز قدرة الردع ويحافظ على أمنها المشترك. كما يؤكد مبدأ الدفاع الجماعي، إذ يعتبر أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، في إطار رؤية تستهدف حماية الأمن والاستقرار، والإسهام في دعم السلام على المستويين الإقليمي والدولي.

وتشير المعطيات المعلنة إلى أن هذا التعاون الثلاثي جاء ثمرة مسار من التنسيق والتشاور بين الدول الثلاث، بما يعكس توجهًا استراتيجيًا يتجاوز الاستجابة لحدث آني، ويؤكد أن بناء الشراكات الدفاعية الراسخة يقوم على التخطيط طويل المدى، لا على ردود الأفعال وحدها.

لقد اعتادت المنطقة، لعقود طويلة، أن تتعامل مع الأمن بوصفه رد فعل على الأزمات، بينما تتجه الدول اليوم إلى بناء منظومات تمنع الأزمات قبل أن تقع. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى هذا الإطار الدفاعي بوصفه نموذجًا يقوم على تعزيز الردع الوقائي؛ إذ لا يقوم على فكرة الاستعداد للحرب بقدر ما يسعى إلى جعل الحرب خيارًا أكثر كلفة وأقل احتمالًا. فالردع الحقيقي لا يبدأ عندما تُطلق أول رصاصة، بل عندما يقتنع الطرف الآخر بأن استخدام القوة لن يحقق له مكسبًا، وأن كلفة المغامرة أكبر من أي نتائج قد يتوقعها.

كما أن توقيت هذه الشراكة الدفاعية يتزامن مع مرحلة تشهد تغيرات متسارعة في البيئة الدولية والإقليمية، حيث تتبدل موازين القوى، وتتطور طبيعة التهديدات الأمنية. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد امتلاك القدرات الدفاعية المنفردة كافيًا، بل أصبح التنسيق الاستراتيجي وبناء الشراكات طويلة الأمد جزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن الوطني والإقليمي. ومن هذا المنظور، تبدو الشراكة استجابة لرؤية تستشرف المستقبل وتسعى إلى الاستعداد لتحدياته.

والحقيقة أن الدول التي تنتظر حتى تتحول التهديدات إلى واقع، تكون قد خسرت جزءًا مهمًا من معركة الأمن. أما الدول التي تبني منظومات الردع قبل الأزمات، فهي لا تستعد للحرب بقدر ما تستثمر في منعها.

فالدبلوماسية تكون أكثر تأثيرًا عندما تتحدث من موقع القوة، لا من موقع الحاجة. وحين تستند إلى قدرة تحميها، تصبح فرص الحوار أكثر اتساعًا، لا أقل، لأن الردع الناجح لا يغلق أبواب السياسة، بل يمنحها مساحة أوسع للعمل وتحقيق النتائج.

ومن هذا المنظور، فإن النص الذي يعتبر أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، يمكن قراءته بوصفه رسالة ردع تهدف إلى منع المواجهة أكثر من كونه دعوة إليها. فكلما ارتفعت كلفة العدوان، تراجعت احتمالات وقوعه، واتسعت مساحة السياسة والدبلوماسية والحوار. وهذا أحد المبادئ الراسخة في الفكر الاستراتيجي، الذي يرى أن الردع الأكثر نجاحًا هو الذي يمنع إطلاق الرصاصة الأولى، لا الذي يكتفي بالرد عليها بعد وقوعها.

وفي هذا السياق، تنسجم هذه الخطوة مع النهج الذي تؤكد عليه المملكة العربية السعودية في سياستها الخارجية، والقائم على الجمع بين تعزيز القدرات الدفاعية ودعم الحلول السياسية. فالمملكة تواصل الدعوة إلى الحوار، وخفض التصعيد، وتغليب الوسائل السلمية لمعالجة الأزمات، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن الأمن المستدام يقوم على معادلتين متكاملتين: قدرة تردع الاعتداء، وإرادة لا تتوقف عن البحث عن السلام.

ولعل ما يمنح هذا التفاهم الاستراتيجي أهمية إضافية أنه، وفق ما أُعلن عنه، يأتي إطارًا للتعاون الدفاعي بين ثلاث دول تربطها علاقات تاريخية ومصالح استراتيجية، دون أن يقدم نفسه بوصفه محورًا عسكريًا موجهًا ضد دولة بعينها، أو تكتلًا قائمًا على اعتبارات طائفية أو مذهبية. كما أنه لا يأتي على حساب الشراكات الاستراتيجية القائمة للدول الثلاث، ولا يلغي الاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف التي ترتبط بها مع دول أو منظمات أخرى، بل يمكن النظر إليه بوصفه إطارًا داعمًا للمنظومات الأمنية القائمة ومكمّلًا لها، لا بديلًا عنها. ويعكس ذلك رؤية تعتبر أن تعزيز الأمن الوطني والاستقرار الإقليمي لا يتعارض مع الانفتاح على الشراكات الأخرى، وأن امتلاك القدرة الدفاعية لا يعني تهديد سيادة الدول أو استهداف أمنها.

ويكتسب اختيار مكة المكرمة لاحتضان هذه القمة دلالة رمزية تتجاوز البعد الجغرافي. فمن المدينة التي تمثل للمسلمين رمزًا للوحدة والطمأنينة، صدرت رسالة تؤكد أن بناء الأمن لا يتناقض مع ترسيخ السلام، وأن القوة ليست مشروع هيمنة، بل وسيلة لحماية الاستقرار. وهي دلالة تنسجم مع المكانة الروحية لمكة، باعتبارها رمزًا للاجتماع ووحدة الكلمة.

وفي نهاية المطاف، فإن قيمة أي اتفاقية دفاعية لا تُقاس بما تضيفه إلى القدرات العسكرية فحسب، بل بما تمنحه للشعوب من طمأنينة، وللاقتصادات من استقرار، ولخطط التنمية من بيئة آمنة تتيح لها الاستمرار والنمو. فالأمن ليس هدفًا قائمًا بذاته، وإنما الأساس الذي تُبنى عليه التنمية، ويزدهر في ظله الاستثمار، وتستقر حياة الإنسان.

لقد أثبت التاريخ أن السلام الذي لا تحميه القدرة يبقى هشًا أمام الطامعين، وأن القوة التي لا تضبطها الحكمة قد تتحول إلى عبء على أصحابها قبل خصومهم. وبين هذين الحدين، يقدم هذا التعاون الدفاعي نموذجًا يسعى إلى الموازنة بين الردع والدبلوماسية؛ نموذجًا لا يبحث عن الحرب، لكنه يرفض أن يكون السلام رهينة لحسن النوايا وحدها.

ومن مكة، يمكن قراءة الرسالة السياسية للاتفاقية بوضوح: السلام لا يُورث، بل يُصنع. ولا يُصنع بالخطب وحدها، ولا بالسلاح وحده، بل بحكمة تعرف متى تمد يد الحوار، وقوة تجعل الاعتداء قرارًا خاسرًا قبل أن يكون ممكنًا. وبين الحكمة والردع، ترسم المملكة العربية السعودية، بالشراكة مع تركيا وباكستان، معادلةً عنوانها: قوةٌ تحمي السلام، وسلامٌ يستحق أن تُبذل من أجله كل أسباب القوة.