|

الوحدة القاتلة... حين تُهمَل الموهبة وتضيع الشهادة

الكاتب : الحدث 2026-08-09 11:58:37

شفاء الوهاس - جدة

مقالي بكلمات خريج يقول: 
"أنا خريجٌ منذ سنوات، ولم أعد أرغب في الحياة وسط المجتمع...

شعوري بالوحدة ليس بسبب بُعدي عن الناس. فليست كل وحدة تعني أن الإنسان يعيش بعيداً عن الناس.
هناك وحدة أشد قسوة يعيشها الإنسان وهو بين أهله ومجتمعه، لكنه يشعر أن لا أحد يرى ما بداخله، ولا أحد يقدّر قدراته، ولا أحد يمنحه الفرصة التي يستحقها.
إنها وحدة الإنسان القادر الذي يملك الشهادة والموهبة والطموح، لكنه لم يجد العمل الذي يتناسب مع مؤهلاته وقدراته.

أنا ذلك الإنسان الذي قضى سنوات من عمره في الدراسة والتعلّم والتطوير. حصلت على شهادة، واكتسبت خبرات ومهارات، وكانت لدي مواهب أحلم بأن أوظفها في خدمة نفسي ومجتمعي.
كنت أتخيل أنني سأقف يوماً على أرض الواقع لأثبت ما تعلمته، وأحوّل أفكاري إلى إنجازات، وطموحي إلى نجاح.

لكنني بعد التخرج وجدت نفسي أمام أبواب مغلقة، وفرص محدودة، ووظائف لا تمت بصلة إلى تخصصي أو قدراتي... وهنا تبدأ الوحدة الحقيقية.

بسبب غياب الفرصة، قد يتحول الانتظار الطويل إلى إحباط، والإحباط إلى عزلة، والعزلة إلى شعور بأن المجتمع لا يحتاج إليك.
وقد أصبحت قليل الكلام، كثير التفكير. أتهرب من السؤال المعتاد: «ماذا تعمل الآن؟» لأن الإجابة أصبحت بالنسبة لي مصدراً للألم.
وأشعر بالحرج من الحديث عن شهادتي، رغم أنها كانت يوماً مصدر فخر لي ولأهلي.

وبدأت بالابتعاد عن أصدقائي ومعارفي، حتى كدت أنسى معظمهم. وذلك لكي أتجنب المقارنة التي قد أشعر بها، أو حتى لا أضطر إلى تبرير سبب عدم حصولي على وظيفة تناسب سنوات الدراسة والتعب.

فالشهادة لا تفقد قيمتها لأن سوق العمل لم يمنح صاحبها الفرصة،
والموهبة لا تختفي لأن أحداً لم يكتشفها،
والقدرة لا تصبح ضعفاً لأن الظروف لم تسمح بإظهارها.
قد يتأخر الاعتراف بالإنسان، لكن ذلك لا يعني أن ما يملكه من علم ومهارة وطموح لا قيمة له.

أنا لا أريد دائماً وظيفة من أجل الراتب فقط!
أريد مكاناً أشعر فيه أن لعلمي معنى، وأن لموهبتي قيمة، وأن جهدي لم يذهب سدى.
أريد أن أستيقظ كل صباح وأشعر بأني أضيف شيئاً إلى حياتي وحياة الآخرين.

فكم من إنسان ظنه الآخرون عاطلاً بينما كان في داخله مشروع نجاح لم يجد من يفتح له الباب.
فإن تأخرت الفرصة فذلك لا يعني نهايتها، فبعض الأبواب تتأخر في الانفتاح لكنها لا تبقى مغلقة إلى الأبد."