|

بين النجاح والسكينة

الكاتب : الحدث 2026-08-18 12:26:58

أ.د. محمد بن علي مباركي
عضو مجلس الشورى وكاتب رأي 


منذ سنوات العمر الأولى، نتعلم كيف ننجح. نتسابق في الدراسة، ونسعى إلى التفوق، ثم نبحث عن الوظيفة، فالترقية، فالإنجاز الأكبر. وكأن الحياة سلّم طويل لا يُطلب منا إلا أن نواصل الصعود. وكلما بلغنا درجة، ظهرت أمامنا درجة أخرى، حتى أصبح النجاح رحلة لا تعرف محطة أخيرة. لكن وسط هذا الركض كله، يبقى سؤال أكثر بساطة وعمقًا: هل أصبحنا أكثر سعادة! هل نجحنا بالفعل وسط هذا الركض! أم أننا فقط أتقنا الركض!

فالنجاح مفهوم جميل، بل هو ضرورة للحياة، وهو ثمرة الاجتهاد، ودليل على أن الإنسان لم يرضَ لنفسه بالركود. غير أن النجاح، حين ينفصل عن السكينة، يتحول إلى سباق لا يعرف صاحبه متى يتوقف، ولا لماذا بدأ.

كم من إنسان حقق ما كان يحلم به، ثم وجد نفسه، بعد لحظة الفرح الأولى، يطارد حلمًا جديدًا. ليس لأن الطموح خطأ، بل لأن النفس إذا علقت سعادتها بهدف واحد، ظنت أن الراحة تكمن فيما لم تصل إليه بعد. فإذا وصلت، اكتشفت أن السكينة لم تكن تنتظرها هناك.

لقد أقنعنا العالم أن النجاح يُقاس بما نملك، وبما ننجز، وبما يراه الناس في سيرتنا الذاتية. أما ما لا يراه أحد، كهدوء القلب، وراحة الضمير، ودفء الأسرة، وصفاء الروح، فقلما يدخل في حسابات النجاح، مع أنه قد يكون أثمن ما يملكه الإنسان.

والسكينة ليست نقيض الطموح، بل هي روحه. إنها ذلك الشعور الذي يجعلك تعمل بجد، لكن دون أن تفقد نفسك في الطريق. أن تجتهد، ولكن لا تجعل المنصب هو هويتك، ولا الراتب هو قيمتك، ولا إعجاب الناس هو ميزان رضاك عن نفسك.

ولعل من أعظم أوهام عصرنا أننا نظن أن الراحة مؤجلة إلى ما بعد الإنجاز. فنقول: سأرتاح عندما أحصل على هذه الوظيفة، أو عندما أبني هذا البيت، أو عندما يكتمل هذا المشروع. ثم تمضي الأعوام، ونكتشف أن الحياة كانت تمنحنا كل يوم فرصة للسكينة، لكننا كنا نؤجلها إلى موعد لا يأتي.

إن أجمل ما في الحياة لا يحتاج إلى نجاح استثنائي. ففنجان قهوة مع والدك، أو ضحكة طفل، أو دعوة أم، أو جلسة هادئة بعد صلاة الفجر، قد تمنح القلب من السعادة ما لا تمنحه سنوات من اللهاث. لأن السكينة لا تأتي من الخارج، بل تنبع من الداخل؛ من قلب يعرف الامتنان، ويؤمن أن قيمة الإنسان ليست فيما جمع، بل فيما أصبح عليه.

ومن يتأمل سير الناجحين حقًا، يجد أن أكثرهم توازنًا هم الذين عرفوا حدود الأشياء. عملوا بإخلاص، لكنهم لم يجعلوا العمل يسرق منهم أعمارهم. أحبوا النجاح، لكنهم لم يضحوا من أجله بكل ما يمنح الحياة معناها. أدركوا أن أعظم الخسائر ليست فشل مشروع، بل نجاح يتحقق على حساب الأسرة، أو الصحة، أو المبادئ.

والحكمة لا تدعونا إلى أن نخفض سقف أحلامنا، وإنما تدعونا إلى ألا نرفعها فوق إنسانيتنا. فما قيمة المناصب والثروات إذا الطريق إليهما استنزفت القلب حتى لم يعد يعرف طعم الطمأنينة! وما قيمة تصفيق الناس إذا كان الإنسان، حين يخلو بنفسه، لا يسمع في داخله إلا صوت التعب والقلق! 

لقد علّمنا ديننا أن نسعى في الأرض، وأن نعمرها، وأن نأخذ بالأسباب، لكنه علّمنا كذلك أن ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وكأن الرسالة واضحة: قد يمنحك السعي رزقًا، لكن السكينة هبة لا تستقر إلا في قلبٍ عامر بالإيمان، راضٍ بما قسم الله، شاكرٍ لما أنعم، عاملٍ لما ينفع.

ولعل النجاح الحقيقي ليس أن تصل إلى القمة وحدك، بل أن تصل إليها وقلبك لم يفقد تواضعه، وروحك لم تفقد سلامها، وأهلك لم يفقدوا حضورك، ومبادئك لم تفقد مكانها.

فالنجاح يرفع مكانتك بين الناس، أما السكينة فترفع مكانتك في نفسك. وإذا اجتمع النجاح والسكينة في قلب إنسان، فقد نال من الدنيا أجمل ما فيها، ومن الحياة أعمق معانيها.