|

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي تحمي ثقافتنا

الكاتب : الحدث 2026-09-18 06:17:04

 

بقلم خليل القريبي 
مستشار ثقافي وإعلامي 


إعلان وزارة الثقافة صدور الدليل الإرشادي «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي»، الذي يشمل 11 قطاعًا ثقافيًا ويستهدف المؤسسات والممارسين الثقافيين ومطوري تقنيات الذكاء الاصطناعي، يحمل دلالة تتجاوز إصدار وثيقة إرشادية جديدة؛ فهو يعكس انتقال القطاع الثقافي إلى مرحلة أكثر تقدمًا في التعامل مع التحولات التقنية المتسارعة، خاصة ونحن اليوم في عصر أصبحت فيه الخوارزميات شريكًا في الإنتاج والإبداع والتوزيع.

أهمية الخطوة تبدأ من توقيتها؛ فالذكاء الاصطناعي دخل مجالات الكتابة والترجمة والتصميم والموسيقى والأفلام والأزياء والتراث والمتاحف والنشر، وغيرها من مسارات العمل الثقافي، وأصبح قادرًا على إنتاج محتوى خلال دقائق كان يتطلب سابقًا وقتًا وخبرات بشرية متعددة. هذه السرعة تفتح فرصًا اقتصادية وإبداعية واسعة، وفي المقابل تثير أسئلة حول الملكية الفكرية، ونسبة العمل إلى صاحبه، واستخدام الموروث الثقافي، ودقة المعلومات، وحقوق المبدعين، وحدود تدخل التقنية في العمل الإبداعي. ومن هنا تبدو دلالة استهداف الدليل لثلاث فئات مترابطة: المؤسسات، والممارسين، ومطوري التقنية؛ فالأخلاقيات في عصر الذكاء الاصطناعي مسؤولية تشاركية تبدأ من تصميم الأداة، وتمتد إلى طريقة استخدامها، وتنتهي عند المحتوى الذي يصل إلى الجمهور، وهذا التصور قادر على نقل النقاش من سؤال «هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟» إلى سؤال أكثر نضجًا: «كيف نستخدمه بما يضيف إلى الثقافة ويحفظ أصالتها وحقوق صناعها؟».

أما الإشارة في الإعلان ذاته، إلى تحقيق التوازن بين إمكانات التقنيات والمحافظة على أصالة الإبداع والثقافة السعودية، فتحمل بعدًا يتجاوز الجانب التنظيمي، حيث يتعلم الذكاء الاصطناعي من كميات هائلة من البيانات والمحتوى، فيما تمتلك المملكة تنوعًا ثقافيًا شديد الثراء؛ في اللهجات، والحكايات، والفنون، والموسيقى، والحرف، والعمارة، والأزياء، والموروث الشفهي، وحماية هذا التنوع تتطلب أن تبقى التقنية أداة لتوسيع حضوره، مع صون خصوصيته ومصادره وسياقه. وما وراء الخبر أن قطاعاتنا الثقافية تستعد مبكرًا لمرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءًا أصيلًا من سلسلة الإنتاج الثقافي، وهنا تتجلى قيمة الدليل الصادر: تحويل الأخلاق من مبادئ عامة إلى ممارسات قابلة للتطبيق، تساعد المبدع والمؤسسة والمطور على معرفة مساحة الاستخدام المسؤول.

بهذا المعنى، نحن أمام خطوة جادة لبناء ثقافة للذكاء الاصطناعي داخل الثقافة نفسها؛ ثقافة تستثمر قوة التقنية، وتصون في الوقت ذاته الإنسان والهوية والحقوق والأصالة، وهذه المعادلة قد تصبح أحد أهم معايير جودة المشهد الثقافي الوطني في السنوات المقبلة.