|

اليومُ الوطني.. وطنٌ يتجدّد في كلِّ نبضة

الكاتب : الحدث 2026-09-20 04:20:41

 

د. طلال الحربي

في الثالث والعشرين من سبتمبر من كلِّ عام، تقف المملكة العربية السعودية وقفةَ العارف بقدر ما أُعطيَ، والمُدرك حجمَ ما حمله الأجداد من أمانة وما صنعه الموحِّدُ الأكبر الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود من معجزةٍ سياسيةٍ وإنسانية لم تشهد لها جزيرةُ العرب مثيلاً على مرِّ العصور. ففي هذا اليوم المجيد من عام ألفٍ وثلاثمئةٍ وواحدٍ وخمسين للهجرة، أُعلن للعالم أجمع ميلادُ المملكة العربية السعودية بثوبها الموحَّد وكيانها المتكامل واسمٍ حمل في حروفه معنى الانتماء ورائحةَ الأرض وعزيمةَ شعبٍ آثر الوحدة على التشتت والبناء على الفرقة.

لم تكن وحدة هذا الوطن قراراً إدارياً بل كانت مشروعاً إنسانياً شاملاً استغرق عقوداً من الجهد المضني والتضحيات الجسيمة والحكمة السياسية النادرة. فقد طاف الملك عبدالعزيز بعقله ومنطقه قبل أن يطوف بسيفه، وفتح القلوبَ قبل أن يفتح المدائن، وجمع القبائلَ المتنافرة والعشائرَ المتشاحنة تحت راية رأت في الإسلام جامعاً وفي العدل سياسةً وفي الشورى منهجاً. وما كان لكيانٍ بهذا الحجم الجغرافي الهائل وهذا التنوع القبلي والجغرافي أن يصمد ويترسّخ لو لم تكن وحدته مبنيةً على أساسٍ أعمق من مجرد التراضي العابر أو الخضوع المؤقت، بل على قناعةٍ راسخة بأن هذه الأرض لشعبٍ واحد ولا يُعلى عليها إلا بوحدةٍ لا تُتزعزع.

إن الباحث في تاريخ دول العالم ليجد نماذج لا تُحصى لوحداتٍ سياسية قامت ثم انهارت وتفتّتت، لأن بانيها لم يضع في أساسها غير المصلحة الآنية والحسابات الضيقة. بيد أن المملكة العربية السعودية شكّلت استثناءً صارخاً لهذه القاعدة، إذ بقيت وحدتها راسخةً كالجبال التي تتوّج أرضها، منيعةً في وجه كل موجة ومتينةً أمام كل محاولة اختراق، وذلك لأن المؤسِّس العظيم أحسن زرعها في وجدان أبنائها قبل أن يُدرجها في الوثائق والمراسيم. وهذا الرسوخ الوجداني هو الذي جعل الانتماء لهذا الوطن ليس التزاماً قانونياً فقط، بل حباً جارفاً يملأ الصدر ويستعصي على الوصف.

وأيُّ حديثٍ عن اليوم الوطني يبقى منقوصاً إذا لم يستحضر ذلك الإرثَ الإنساني الثري الذي نسجته أجيالٌ متعاقبة من أبناء هذا الوطن؛ فالجندي الذي أهدى روحه على التراب، والمعلم الذي سكب علمه في الأرواح الصغيرة، والطبيب الذي واجه المرض في أطراف المملكة قبل مراكزها، والمرأة التي صمدت في وجه الشدائد وربّت الأجيال وأسهمت في البناء، والمواطن البسيط الذي آثر خير وطنه على راحته الخاصة، كلُّ هؤلاء هم حجارةُ الصرح الحقيقية وأبطال الحكاية التي نحتفل بها في كلِّ ثالثٍ وعشرين من سبتمبر.

ثم تجيء رؤية المملكة 2030 في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان لتؤكد أن هذا الوطن لا يُقيم على ما بلغه بل يتطلّع دائماً إلى ما هو أعلى وأبقى، وأن القيادة التي أورثها الأجداد لهذا الجيل جيادُها الاستشراف والجرأة على التغيير واليقين بأن السعودي قادرٌ على صنع مستقبله بيديه في كل ميدان. ولعل ما تشهده المملكة اليوم من تنويعٍ اقتصادي متسارع وازدهارٍ ثقافي وانفتاحٍ حضاري يُبهر العالم هو خير شاهدٍ على أن الاحتفال بالماضي عند أبناء هذا الوطن ليس نوستالجيا عاطفية تُقيّد الخطى، بل وقودٌ يُشعل الهمم ويفتح أمام الطموح آفاقاً لا حدود لها.

في الثالث والعشرين من سبتمبر يقف كلُّ مواطنٍ سعودي أمام هذا الوطن بقلبٍ مفعمٍ بالامتنان والاعتزاز، يتذكر ما بُذل من أجله وما ينتظره أن يقدّمه في خدمته. هذا الوقوف ، بل هو تجديد عهدٍ يتكرر في كلِّ لحظة إخلاصٍ وكلِّ قطرة عرق وكلِّ كلمة حقٍّ تُقال في خدمة هذه البلاد. فالوطن لا يسكن في التقويم وحده، بل يسكن في الأرواح ويجري في الدماء ويتنفّس في كلِّ صباحٍ نفتح فيه أعيننا على هذه السماء الكريمة. يا الله احفظ هذا الوطن وقيادته وشعبه، وأدم عليه أمنه ونعمته إلى ما شاء من الدهر.