الدبلوماسية السعودية في مواجهة التحديات: حماية الأمن ودعم الاستقرار الإقليمي
بقلم: د. محمد الأنصاري
أستاذ القانون الدولي
لم تعد تداعيات الأزمة اليمنية تقف عند حدود اليمن، بل امتدت لتلامس بصورة مباشرة أمن المملكة العربية السعودية وسلامة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من انعكاسات أمنية وإنسانية واقتصادية تتجاوز نطاق النزاع. وفي خضم هذا المشهد، تعكس المواقف السعودية المعلنة مسارين متوازيين: التمسك بحق المملكة في حماية أمنها وسيادتها ومواطنيها وفق القانون الدولي، والاستمرار في دعم الجهود السياسية والأممية الرامية إلى التوصل إلى تسوية شاملة ومستدامة في اليمن. وقد أكدت المملكة أمام مجلس الأمن تمسكها بالحل السياسي ودعمها لجهود المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، بالتوازي مع تأكيد حقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها الوطني وأراضيها ومواطنيها وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
وقد عكست مناقشات مجلس الأمن الدولي حجم القلق من التطورات المتسارعة. ففي 15 سبتمبر 2026 عقد المجلس جلسة طارئة بشأن الوضع في اليمن والتطورات المحيطة بمضيق باب المندب. وخلال الإحاطة، حذر مساعد الأمين العام للأمم المتحدة خالد خياري من ازدياد حالة عدم الاستقرار حول المضيق، مع اشتداد القتال على الساحل الغربي لليمن وتقدم الحوثيين باتجاه باب المندب، بالتوازي مع الهجمات العابرة للحدود على المملكة وما ترتب على بعضها من إصابات وأضرار في مناطق سكنية وبنى تحتية.
ومن منظور القانون الدولي، تثير هذه التطورات مسألتين مترابطتين ينبغي التمييز بينهما. تتعلق الأولى بالقواعد المنظمة لاستخدام القوة وحق الدولة في الدفاع عن نفسها عند وقوع هجوم مسلح، وهو الحق الأصيل، الفردي أو الجماعي، الذي تقرره المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. أما الثانية فتتصل بالقانون الدولي الإنساني الذي ينظم سير العمليات العسكرية متى كان منطبقًا على النزاع. ولذلك فإن ممارسة حق الدفاع عن النفس لا تعني التحرر من القيود القانونية التي تحكم أساليب ووسائل القتال وتحمي المدنيين والأعيان المدنية.
وتبرز هنا المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين والأعيان المدنية، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب الأضرار التي قد تلحق بالمدنيين أو الحد منها. وهذه القواعد تنطبق على أطراف النزاع، بما فيها الدول والجماعات المسلحة غير الحكومية، متى توافرت شروط انطباق القانون الدولي الإنساني. ومن ثم، فإن امتداد العمليات العسكرية إلى المدن والمناطق المأهولة والمنشآت المدنية لا تقتصر خطورته على آثاره الأمنية، بل يثير أيضًا مسائل تتعلق بالمسؤولية القانونية بحسب طبيعة كل واقعة والظروف والأدلة المرتبطة بها.
وفي بيان صدر عن مجلس الأمن خلال سبتمبر 2026، أدان الأعضاء بأشد العبارات استمرار الهجمات الحوثية على المملكة، بما في ذلك الهجمات التي طالت المدنيين والبنية التحتية للطاقة، وأعربوا عن تضامنهم مع المملكة، وأكدوا حقها الأصيل في الدفاع عن نفسها وفقًا للقانون الدولي. كما دعوا إلى الوقف الفوري للتصعيد العسكري والهجمات التي تمس المدنيين والأعيان المدنية، وشددوا على أهمية التنفيذ الكامل للقرار 2216 (2015) والقرارات اللاحقة ذات الصلة.
وفي هذا السياق، يكتسب الموقف السعودي بعدًا إضافيًا من خلال الربط بين أمن المملكة وأمن الممرات البحرية. فقد حذرت المملكة أمام مجلس الأمن من توجه الحوثيين نحو عسكرة المضايق الدولية واستخدامها وسيلة للضغط على الاقتصاد العالمي. وأشار المندوب السعودي إلى أن المملكة أطلقت التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بهدف تعزيز الأمن البحري وحماية الممرات المائية والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، مؤكدًا أن حماية هذه الممرات لا ينبغي أن تكون مسؤولية الدول الإقليمية وحدها، وإنما مسؤولية دولية مشتركة تقتضي الالتزام بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
ولا تكمن أهمية باب المندب في موقعه الجغرافي فحسب، وإنما في وظيفته بوصفه ممرًا بحريًا بالغ الأهمية لحركة التجارة والنقل بين مناطق متعددة من العالم. ولهذا فإن أي تهديد للسفن التجارية أو للحقوق والحريات الملاحية يمكن أن تمتد انعكاساته إلى سلاسل الإمداد وتكاليف النقل والتأمين والأسواق الدولية. وقد شدد أعضاء مجلس الأمن على أهمية الحفاظ على سلامة السفن التجارية وطواقمها واحترام الحقوق والحريات الملاحية وفقًا للقانون الدولي، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وفي خضم هذه الحسابات الأمنية والقانونية، يظل البعد الإنساني أحد أكثر وجوه الأزمة إلحاحًا. فقد أفادت الأمم المتحدة في 14 سبتمبر بأن ما لا يقل عن 125 ألف شخص نزحوا داخل اليمن منذ بداية الشهر، كما سجل مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 32 آخرين خلال الفترة ذاتها. ودعت الأمم المتحدة جميع الأطراف إلى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ودون عوائق.
وتعيد هذه الأرقام الإنسان إلى مركز المشهد؛ فآثار النزاعات لا تقاس فقط بتغير خطوط السيطرة والمواقع العسكرية، وإنما بما تتركه من نزوح وخسائر وتعطل للخدمات وتهديد لأمن الأفراد والمجتمعات. كما أن حماية المدنيين لا تمثل شأنًا إنسانيًا منفصلًا عن البعدين الأمني والسياسي، بل تعد جزءًا أساسيًا من الإطار القانوني الذي يفترض أن يحكم إدارة النزاع مهما اشتدت المواجهات.
وتكشف التطورات كذلك عن الترابط بين أمن المملكة واستقرار اليمن وسلامة البحر الأحمر وباب المندب. فكلما اتسعت دائرة العمليات العسكرية وتجاوزت الحدود، ازدادت احتمالات امتداد آثار الأزمة إلى نطاق إقليمي ودولي أوسع. وفي المقابل، يظل المسار السياسي عنصرًا رئيسيًا في التعامل معها؛ إذ جدد أعضاء مجلس الأمن دعمهم لجهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ من أجل التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية شاملة يقودها اليمنيون، ودعوا الأطراف إلى الانخراط بصورة بناءة في الجهود التي تقودها الأمم المتحدة. كما أكدت المملكة دعمها لجهود الأمم المتحدة والمبعوث الخاص، وتمسكها بوحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المواقف الدبلوماسية السعودية المعلنة بوصفها تجمع بين حماية المصالح الوطنية في إطار القانون الدولي، وإبقاء المسار السياسي حاضرًا لمعالجة الأزمة اليمنية. ولا ينفصل ذلك عن اتساع آثار النزاع؛ فأمن المملكة واستقرار اليمن وسلامة الملاحة في البحر الأحمر أصبحت ملفات مترابطة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والقانونية والإنسانية والاقتصادية.
وفي المحصلة، لا يقتصر التحدي على احتواء خطر عسكري آني، بل يمتد إلى منع تحول التصعيد إلى حالة مستدامة تهدد أمن الدول والمدنيين والممرات البحرية. ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين حماية الأمن، واحترام قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ودعم الحلول السياسية، بما يحافظ على فرص تحقيق الاستقرار في اليمن والمنطقة.