حين يكون الأمان أجمل ما يُهدى..
بقلم 🖋️نهاد قدسي
كلٌّ منا يمتلك مهارات مختلفة؛ فمنها ما نتعلمه في المدرسة كالقراءة والكتابة، ومنها ما نكتسبه من الحياة كفن التواصل، وحل المشكلات. وهذه المهارات لا تأتي بمحض الصدفة، بل تنمو معنا يومًا بعد يوم؛ فحين نحسن الاستماع نقترب من القلوب، وحين ندير وقتنا ننجز بجهد أقل، وحين نواجه مشكلاتنا بصبر نكبر وننضج.
ومن أهم ما نتعلمه: المهارات الاجتماعية التي أولاها الإسلام عنايةً عظيمة فجعلها عبادةً وخلقًا. فهي ليست مجرد قواعد بروتوكولية، بل تربية للقلب قبل تهذيب السلوك؛ لتعلمنا كيف نتحدث بلباقة، ونُقنع بحكمة، ونحضر بتميز.
وكثيرة هي المهارات التي حثنا عليها الإسلام؛ فمنها ما يتعلق بالقول كالصدق وحفظ المجالس ، ومنها ما يتعلق بالفعل كإغاثة الملهوف والوفاء بالعهود ، ومنها ما يتعلق بالقلب كسلامة الصدر وحسن الظن . وأعظمها أثرًا على الإطلاق أن يكون الإنسان "مأمون الجانب".
"مأمون الجانب" ليس شخصاً لطيفاً فحسب، بل هو ملاذ تأمنه على سرّك وضعفِك، وتودع لديه دموعك الغالية قبل بسماتك العابرة؛ تجلس إلى ظله الممتد وأنت على يقين قاطع بأنه لن يقيم لك محكمة تفتيش في النوايا، ولن يتخذ من حزنك مادة للسخرية، ولن يغتال سرّك، ولن يحول اعترافاتك يومًا إلى خنجر في ظهرك. وفي ذلك تجسيد حي لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". والسلامة هنا تعني الأمن والطمأنينة..
مأمون اللسان: حيث الطمأنينة؛ فلا يغتاب، ولا يلمز، ولا يعاير أحدًا بذنب تاب منه. حرفه بلسم دواء، وصمته لؤلؤة حكمة، و"كم من كلمة قالت لصاحبها: دعني".
مأمون القلب: نقاء داخلي يخلو من الحسد والحقد؛ فلا يمكن أن يكون اللسان مأمونًا والقلب ملغومًا بالضغائن يغلي بمرجل الحقد والغيرة.
مأمون السّرّ: حارس أمانات الوجع؛ فمن أفضى إليك بوهنه وشكواه، لا يبغي بالضرورة حلاً سحريًا، بل يبحث عن أذن صاغية لا تملّ البوح، وصدر حانٍ يحتويه بلا ضيق.
مأمون في الخلاف: المحك الحقيقي الأعظم للأخلاق؛ فالكل لطيف ودود وقت الوفاق. ومأمون الجانب لا يفجر في خصومته، ولا ينسى المعروف، ويبقى آمنًا نبيلاً .
"نبيلٌ في رضاه، ونبيلٌ في غضبه".
مأمون في الغياب: وهي الدرجة الأعمق للنبلاء؛ فلا يتحدث عنك بما تكره في غيابك، ولا يسمح لأحد أن يغتابك، بل يدافع عنك كأنك حاضر ، رافضًا أن ينهش لحم غائب في محضره.
إننا اليوم نعيش زحامًا بلا سكينة.. نُحيط أنفسنا بالكثيرين والكثيرين ..
وكثيرون حولنا يُبهروننا، وقليلون جدًا يُطمئنوننا.
كثيرون يُجيدون الكلام، وقليلون يُجيدون السّتر.
كثيرون نضحك معهم، وقليلون نبكي أمامهم دون أن نشعر بالخجل.
لذا في زمن الزحام هذا، لا نحتاج مزيدًا من المُبهرين، نحتاج مزيدًا من المأمونين.. أولئك الذين إذا حضروا سكن القلب، وإذا تحدثوا سكنت الروح، وإذا غابوا بقي أمانهم.
ختامًا : كن مأمون الجانب؛ يأمنك الله يوم لا أمان إلا أمانه، ويأمنك الناس، وتأمنك حتى نفسك.