|

الوطن الذي حملته معي!

الكاتب : الحدث 2026-09-22 11:41:58

بقلم: علي بن أحمد الزبيدي
عضو جمعية أدبي جدة

لم أعرف قيمة الوطن كاملةً وأنا بين أهلي؛ فقد كنت أراه في الأشياء التي اعتدتها حتى غدت جزءًا من يومي: صباح المدرسة، صوت الأذان، طريق أعرف منعطفاته، وجوه الأصدقاء، حديث الأسرة، وطمأنينةٌ لا نسأل أنفسنا من أين جاءت، لكنني حين ابتعدت عنه جسدًا لا روحًا بدأت أراه بطريقة أخرى.

أربع سنوات قضيتها موفدًا للتدريس في أكاديمية الحرمين السعودية في جاكرتا كانت كافية لأن أكتشف أن الإنسان قد يغادر وطنه بجسده، لكنه لا يستطيع أن يتركه خلفه.

كنت هناك معلّمًا، كما كنت هنا، لكن شيئًا تغيّر في داخلي، فقد صرت ألاحظ أنني حين أتحدث عن المملكة لا أتحدث عن بلدٍ بعيد، بل عن شيء يشبهني، كنت أستعيد تفاصيلها دون أن أشعر: لهجتنا، عاداتنا، طعامنا، مدارسنا، مناسباتنا، وجوه الناس، وحتى الأشياء الصغيرة التي كنا نمر بها كل يوم دون أن نمنحها حقها من التأمل.

وكان يكفيني أحيانًا أن يسألني أحد عن السعودية، لأجد في داخلي حديثًا طويلًا لا ينتهي.

هناك فهمت أن الوطن لا يسكن الخرائط، وإنما يسكن الذاكرة، وحين عدت، لم تعد المدرسة بالنسبة إليّ مجرد مكان أؤدي فيه عملي، أصبحت أنظر إلى الطالب الذي يجلس أمامي بطريقة مختلفة؛ طفلٌ أو شابٌ يحمل جزءًا من مستقبل هذا البلد، وربما يحمل غدًا مسؤوليةً أكبر مما نتخيل.

أمضيت أكثر من عقدين في التعليم، تنقلت خلالها بين مواقع متعددة: معلّمًا، ومدربًا، ورائد نشاط، وموجهًا طلابيًا، ووكيلًا، ومديرًا مكلفًا، وعملت في التدريب والتطوير والاستشارات، ووجدت نفسي كذلك في الإعلام والأدب والثقافة والتطوّع والكشافة، وفي كل محطة كنت أكتشف أن الوطن لا يحتاج منا خطبًا طويلة بقدر ما يحتاج إلى إنسان يؤدي دوره بإخلاص.

لقد رأيت خلال هذه السنوات وطنًا يتغير أمام عيني، رأيت التعليم يتسع، والمدن تتبدل، والتقنية تدخل تفاصيل الحياة، والثقافة تجد مساحات أرحب، والشباب يطرقون أبوابًا جديدة لم تكن متاحة بالصورة نفسها من قبل، لكن أكثر ما يستوقفني ليس تغير المكان، وإنما تغير الإنسان؛ ذلك الشاب الذي أصبح يرى المستقبل أقرب، ويؤمن أن أمامه فرصة ليصنع شيئًا، لا أن ينتظر شيئًا.

وحين أتأمل رحلة المملكة من التأسيس إلى ما وصلت إليه اليوم، أتذكر أن الأوطان لا تكبر دفعةً واحدة، لكنها تكبر مع كل بيتٍ بُني، وكل مدرسةٍ افتُتحت، وكل معلمٍ علّم، وكل طبيبٍ عالج، وكل عاملٍ أتقن عمله، وكل أمٍ ربّت أبناءها على المسؤولية، وكل شابٍ آمن بأن له مكانًا في المستقبل.

لهذا أرى التحول السعودي حكاية إنسان قبل أن يكون حكاية مشروعات، ولأنني عشت تجربة الابتعاد، أعرف أيضًا أن حمل اسم الوطن خارج حدوده مسؤولية، فقد كنت أتعامل مع طلاب وزملاء من ثقافات متعددة، وكان سلوكي وحديثي وطريقة تعاملي جزءًا من الصورة التي يمكن أن تتشكل لديهم عن بلادي، لقد علّمتني الغربة أن تمثيل الوطن لا يبدأ من الكلمات التي نقولها عنه، بل من الأخلاق التي نمارسها باسمه.

إن وطننا لم يكن في يوم من الأيام بعيدًا عن محاولات التشويه أو التقليل أو زعزعة الثقة، لذلك فإنّ أبلغ رد لا يكون بالغضب؛ بل بالوعي لأنّه الأهدأ والأبقى، يجب علينا أن نعرف تاريخنا، ونفهم حاضرنا، وننظر إلى تجربتنا بعينٍ مفتوحة، ونفرق بين نقدٍ نحتاج إليه، وتشويهٍ لا يريد إلا أن يهدم.

وأنا حين أكتب عن الوطن، لا أكتب من موقع المتفرج، بل أكتب بذاكرة المعلّم، وتجربة الموفد، ووجدان الأديب، وصوت الإعلامي، وامتنان المواطن، ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن أقدمه لوطني ليس عبارةً جميلة في يومٍ جميل، وإنما أن أؤدي دوري كما ينبغي؛ أن أعلّم طالبًا، أو أفتح أمام متدرب نافذة معرفة، أو أكتب كلمةً صادقة، أو أشارك في مناسبةٍ تخدم ثقافتنا ومجتمعنا. تلك، في نظري، هي الوطنية حين تتحول من شعور إلى أثر.

وفي اليوم الوطني، لا أتوقف طويلًا عند سؤال: ماذا أنجز الوطن؟ بل أسأل نفسي سؤالًا أكثر قربًا: ماذا تركتُ أنا فيه؟

فالأيام تمضي، والأجيال تتعاقب، والوطن الذي عرفناه سيتغير أكثر، وسيأتي أبناؤنا وأحفادنا إلى وطنٍ ربما لا يشبه تمامًا الوطن الذي عرفناه، لكنهم سيعيشون شيئًا من آثار ما فعلناه نحن، وهنا تصبح المسؤولية أجمل وأثقل.

أما أنا، فما زلت أذكر تلك السنوات في جاكرتا، وأبتسم كلما تذكرت أنني كنت بعيدًا عن الوطن، ومع ذلك لم أشعر يومًا أنه بعيد عني، فقد كان معي في لغتي، وفي ذاكرتي، وفي عملي، وفي حديثي عن بلادي، وفي الحنين الذي لا يحتاج إلى موعد، ولهذا أقولها اليوم بهدوءٍ لا يحتاج إلى كثير من التنميق:

أنا سعودي.

ليست عبارة احتفال، وإنما خلاصة عمر، وامتنان لتربةٍ نشأت عليها، ومسؤولية تجاه وطنٍ حملته معي حين ابتعدت، وما زلت أحمله في قلبي كلما كتبت، وكلما علّمت، وكلما وقفت أمام رايته.

همسة الختام

بعض الأوطان تسكن الأرض، وبعضها يسكن القلب؛ أما الوطن الذي حملته معي، فقد علّمني أن المسافة بين الإنسان ووطنه لا تُقاس بعدد الأميال، وإنما بمقدار ما يتركه الوطن في الروح.

حفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادة ووطنًا وشعبًا، وأدام عليها أمنها واستقرارها، وجعل مستقبلها امتدادًا يليق بأجيالها القادمة.