تحرير صنعاء واستعادة الدولة
أ. د. محمد بن علي مباركي
عضو مجلس الشورى وكاتب رأي
التحولات الكبرى في تاريخ الدول تحتاج إلى تضحيات، فموازين القوى لا تبقى على حالها، والوقائع التي تبدو راسخة قد تتغير حين تتوافر الإرادة وتتهيأ الظروف. واليمن اليوم أمام مرحلة قد تحمل في طياتها تحولات مهمة، في ظل تصاعد المواجهة مع ميليشيا الحوثي واستعادة صنعاء وإنهاء سنوات من الانقسام والصراع.
والطريق إلى العاصمة قادم بإذن الله، فالجماعة الحوثية التي أحكمت قبضتها على صنعاء منذ عام 2014، لم تعد مجرد طرف في نزاع داخلي، بل أصبحت جزءًا من شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، مستفيدة من الدعم العسكري والتقني والخبرات القتالية الإيرانية. ومن ثم، فإن المواجهة معها تتجاوز حدود الصراع اليمني، لتتصل بتوازنات إقليمية أوسع.
وفي ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة، تتزايد أهمية استعادة الدولة اليمنية لمؤسساتها وسيادتها. فقد باتت تداعيات الأزمة اليمنية تتجاوز حدود البلاد، لتلامس أمن المنطقة ومصالح القوى الدولية، وهو ما قد يدفع إلى مراجعة المواقف الدولية تجاه هذه الميليشيا وتسميتها بالجماعة الإرهابية، وهي كذلك، فواقع الحال يشير إلى ذلك، وما استهدافها للمطارات والمدنيين في المملكة العربية السعودية إلا خير دليل على إرهابها واستخفافها بالبشر ونظرتها التكفيرية للآخرين.
وفي المقابل، فإن تعثر المساعي السياسية خلال السنوات الماضية يفرض الآن إعادة النظر في الوسائل الكفيلة باجتثاث الحوثيين، وبناء رؤية وطنية تتكامل فيها الأهداف السياسية والعسكرية.
ولا ينبغي أن يُختزل تحرير صنعاء في أبعاده العسكرية فحسب، فخلف سنوات الحرب تقف معاناة شعب أنهكته الأزمات، وتراجعت فيه فرص التعليم والعمل والرعاية الصحية، فيما يواجه ملايين اليمنيين أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة. ولذلك، فإن استعادة العاصمة ينبغي أن تكون بداية لاستعادة الدولة، وإعادة بناء المؤسسات، وترسيخ الأمن، واستعادة المصالحة الوطنية والتنموية من الحوثيين.
لقد أظهرت التحولات التي شهدتها المنطقة أن المشهد السياسي ليس ثابتًا، وأن موازين القوى قد تتغير على نحو يفتح آفاقًا جديدة أمام الشعوب والدول. واليمن ليس بمنأى عن هذه التحولات، غير أن بلوغ أهدافه الوطنية يتطلب إرادة سياسية واضحة، وتماسكًا داخليًا، ودعمًا إقليميًا ودوليًا يسهم في إنهاء الصراع واجتثاث الميليشيا الإرهابية الحوثية الإيرانية.
إن استعادة صنعاء ليست مجرد استرداد لعاصمة، بل استعادة لوطن يتطلع إلى استعادة قراره وسيادته، وإنهاء معاناة شعب يستحق أن يعيش في ظل دولة مستقرة. وبين تعقيدات الواقع واحتمالات المستقبل، تبقى الحاجة إلى تحويل المكاسب الميدانية إلى مشروع وطني لأي تحول حقيقي يعيد لليمن أمنه واستقراره، ويفتح أمام أبنائه أفقًا جديدًا للحياة.