ثقتك بالآخرين لا تعني أنهم يشبهونك حين يُدسّ السم في العسل

الكاتب : الحدث 2026-10-21 07:17:42

بقلم: عبدالله آل شعشاع

ليس كل من ابتسم في وجهك يحمل لك الود، وليس كل من تحدث عن الوفاء يعرف معناه، وليس كل من أظهر لك المحبة صادق النية. ففي هذه الحياة أشخاص يتقنون ارتداء أقنعة المحبة ويخفون مقاصدهم خلف كلمات معسولة ومواقف تبدو في ظاهرها نبيلة، حتى إذا اطمأننت إليهم ومنحتهم ثقتك اكتشفت أن ما ظننته صفاء لم يكن إلا ستارًا يخفي وراءه حقيقة أخرى.

المؤلم ليس أن تثق بالآخرين، بل أن تكتشف أنك كنت تقيسهم على نقاء قلبك، بينما كانوا يقيسون علاقتهم بك بميزان مصالحهم. فأنت تتعامل مع الناس وفق تربيتك وأخلاقك وصدق نيتك، وقد تظن أن ما تحمله من وفاء يسكن قلوبهم أيضًا، لكن الحقيقة أن الناس ليسوا نسخًا متشابهة؛ فمنهم من يصون العهد، ومنهم من يتخذ من الثقة طريقًا إلى غايته، ومنهم من يجيد دس السم في العسل، فلا تشعر بمرارة الخذلان إلا بعد فوات الأوان.

إن الثقة قيمة إنسانية عظيمة، وهي أساس العلاقات الناجحة، لكنها حين تُمنح بلا وعي قد تتحول إلى باب للاستغلال وخيبة الأمل. فليس كل قريب صادقًا، وليس كل بعيد سيئًا، وليس كل من يكثر من الثناء عليك يتمنى لك الخير. فالمواقف وحدها هي التي تكشف حقيقة النفوس حين تتعارض المصالح وتظهر الاختبارات.

وحين نتأمل المثل القائل "يدس السم في العسل" ندرك أنه يصف واقعًا نعيشه في بعض علاقاتنا مع الآخرين؛ فهناك من يُظهر لك النصح وهو يريد إضعافك، ومن يتحدث باسم المحبة وهو يسعى إلى مصلحته، ومن يمنحك أجمل الكلمات بينما تكشف أفعاله عكس ما يقول. وهنا تكمن خطورة الخداع حين يأتيك في صورة لا تدعو إلى الشك.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول التجارب المؤلمة إلى سبب لفقدان الثقة بالجميع أو إساءة الظن بكل من حولنا. فالحكمة ليست في إغلاق الأبواب أمام الناس، بل في معرفة من يستحق أن نفتح له قلوبنا، وليست في التخلي عن طيبتنا، بل في أن نقرنها بالوعي والبصيرة. فحسن النية خُلق كريم، لكنه لا يعني الغفلة، والثقة فضيلة، لكنها لا تعني إلغاء الحذر.

إن التعامل بأخلاقنا لا يضمن أن يعاملنا الجميع بالمثل، ولا يعني أن كل من أحسنا إليه سيحفظ المعروف، لكن ذلك لا ينبغي أن يدفعنا إلى التخلي عن مبادئنا. فالإنسان الأصيل يبقى وفيًا لقيمه مهما تغيرت وجوه الآخرين، لكنه يتعلم من التجارب ويمنح كل شخص مكانته التي يستحقها وفق أفعاله لا وفق وعوده.

وفي الختام، كن طيب القلب دون أن تكون غافلًا، وامنح ثقتك لمن تثبت المواقف صدقه، ولا تجعل الكلمات الجميلة وحدها معيارًا للحكم على الناس. فالعاقل لا يسيء الظن بالجميع ولا يمنح ثقته بلا حدود، بل يوازن بين صفاء القلب وقوة البصيرة ويحفظ كرامته دون أن يفقد إنسانيته.

فليس كل من قدم لك العسل محبًا لك، فقد يكون بعض العسل غطاءً لسم لا يظهر إلا حين تكون قد وثقت أكثر مما ينبغي.