*الإرشاد النفسي وقت الأزمات*
بقلم : د.محمد بن مرضي
إنه طوق النجاة في العواصف .. فحين تشتد الأزمات وتتلاطم موجات الحياة بالمرء، تصبح النفس البشرية عرضة لهزات عنيفة قد تُزلزل استقرارها وسلامها الداخلي ، فالتوتر والقلق والشعور بالعجز لغة مشتركة يفهمها كل من مرّ بمحنٍ جسام، سواء كانت كوارث عامة أو تحديات شخصية طارئة وصعبة ، وهنا يأتي دور الإرشاد النفسي ليس كترْفٍ فكري بل كطوق نجاة حقيقي يعيد البوصلة إلى اتجاهها الصحيح.
إن الإرشاد النفسي في أوقات الشدائد ليس مجرد استماع عابر، بل هو تدخل علمي ممنهج من قبل مختصين يهدف إلى التخفيف الفوري من حدة الصدمة النفسية، ومنع تطورها إلى اضطرابات مزمنة مثل اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، إنه يمنح الفرد مساحة آمنة لتفريغ شحنات الخوف والغضب، وإعادة ترتيب الأفكار المبعثرة لمواجهة الواقع بمرونة أكبر ، وهذا هو دور المرشد النفسي فهو لا يُزيل الأزمات من الوجود ، بل يبني قدرتك الداخلية على التكيف واجتيازها.
وتؤكد أبحاث علم النفس الحديث أن الإنسان يمتلك مرونة نفسية مذهلة (Resilience)، لكنها تحتاج إلى "بيئة حاضنة" لتفعيلها فالدعم المبكر من مختص يمنع التراكم ويساهم في ذلك ، وأثبتت الدراسات العيادية أن الدعم النفسي السريع خلال الساعات والأيام الأولى للأزمة يقلل من معدلات الاكتئاب الحاد بنسبة تزيد عن النصف ، ومن أهم التكنيكات العلاجية هي إعادة الصياغة المعرفية (Cognitive Reframing) حيث تشير الأدبيات النفسية الحديثة إلى أن الطريقة التي نفسر بها الحدث المؤلم أهم بكثير من الحدث نفسه ، فالمرشد يساعد المسترشد على تحويل فكرة مفادها "هذه نهاية العالم" إلى "هذه محنة مؤقتة وسأعبرها بإذن الله".
ولقد أدركت الحكمة البشرية عبر العصور أهمية الصبر والاحتواء النفسي ، وتتجلى هذه المعاني في كونها طريقاً نحو الشفاء ومنها قول العرب : "في الليلة الظلماء يُفقد البدر"، لكنها أيضاً هي الليلة التي تظهر فيها نجوم القدرة الداخلية والصبر والإيمان ، فالأزمات تكمن فيها فرص اكتشاف الذات والصلابة الخفية التي لم نكن نعلم بوجودها لولا قسوة الظرف ، وكما يقول المثل الدارج : "اشتدي يا أزمة تنفرجي"، وهو انعكاس حقيقي لمفهوم الديناميكية النفسية فكل ضغط نفسي يصل إلى ذروته لابد أن يعقبه تفريغ وانفراج متى ما وجد الإنسان التوجيه السليم والكتف الذي يتكئ عليه.
إن تجاوز الأزمات نفسياً لا يتطلب المستحيل ، بل يبدأ بخطوات عملية وبسيطة نحو التعافي ، ويأتي منها أولاً الاعتراف بالمشاعر فلا تكبت خوفك أو حزنك فالبكاء والتعبير عن الألم هما أول درجات التعافي ، ويأتي ثانياً التركيز على الدائرة الممكنة بمعنى ركّز فقط على ما يمكنك تغييره واترك ما لا يمكن تغيير ، ومن الخطوات المهمة هي طلب المساعدة من مختص فالاستعانة بمتخصص ليس ضعفاً ، بل هو دليل وعي وشجاعة.
إن الأزمات والصعوبات مهما بلغت قسوتها فهي عابرة ، والنفس البشرية تشبه الذهب الخالص ، لا يظهر بريقه الحقيقي إلا بعد صهره في أتون النار ومع الإرشاد النفسي الصحيح يتحول الألم إلى خبرة ، والضعف إلى قوة .
عبور :
الألآم والصعوبات النفسية لا تكشفها الأشعة والتحاليل .. إذا لم ينطق بها اللسان ويتكلم بها الإنسان