"التعادل الوهمي" بطولاتٌ من ورق ..

الكاتب : الحدث 2026-11-07 08:39:58

بقلم🖋️نهاد قدسي .. 

الفضل ليس مالًا يُعطى، ولا خدمةً تُقضى، ولا كلمةً تُقال في لحظةٍ عابرة. الفضل أثرٌ يبقى.

وقيمته لا تُقاس بما بُذل، بل بِـمَنْ يحفظه. حفظُ الفضلِ خُلُق، والجحودُ خُلُق، وما بينهما تُعرف المعادن.

حافظُ الفضلِ إذا أُعطيَ نقش المعروف على صخرة؛ لا يمحوه تقادم العهد، ولا يُبهته تغيّر الحال.

تراه بعد سنوات يقول بملء فيه: لفلانٍ فضلٌ عليّ بعد الله. يقولها قوةً لا ضعفًا، ووفاءً لا تملقًا، لأن الكريم يرى في الاعتراف رفعةً ، وفي الحفظ شرفًا. هؤلاء هم رُعاة الفضل وأهل المروءة، معدنهم نقيّ، وقلبهم تقيّ، وعهدُهم وفيّ.

أما ناكر الفضل فعلى النقيض؛ إذا تمكّن تغابى وتجاهلَ ، وإذا تذكَّر أوَّل ولفًَقَ ، وإذا عُوتِب تنكَّرَ وجحدَ.

ومن أخبث حيل الجحود أنه لا يكتفي بجحوده، بل يذهب خطوةً أبعد، فيخترع فضلًا لنفسه. وهو ما يُسمّى بـ "التعادل الوهمي".

وهي حيلةٌ نفسية يلجأ إليها حين يُحاصر بالعتاب والحقيقة. لا يستطيع أن يقول: لم تفعل لي شيئًا، لأن الشواهد تكذّبه، ولا يملك أن يقول: شكرًا، لأن الكِبر يمنعه. فماذا يفعل؟ يختلق بطولاتٍ من ورق.

يستدعي فجأةً قصصًا وهميةً عن نفسه، يروي فيها أنه صاحب فضلٍ على آخرين. وكأنه ينسخ الفضل ثم يلصقه على نفسه، ليعود ويقول لصاحب الفضل الحقيقي: انظر، لست وحدك صاحب فضل، أنا أيضًا صاحب فضلٍ وبنفس طريقتك!

قصصٌ مفصلة، وأكاذيب منمقة، أفضالٌ من نسج الخيال، مؤلفة من العدم، يذكر فيها أسماءً ومواقف، لا لشيء إلا ليصنع في الميزان كفةً مقابلة.

هذه هي الغاية من كل القصص:
بدل أن يقول: شكرًا، يقول: أنا أيضًا فعلت.
وبدل أن يعترف، يخترع.
وبدل أن يحفظ الجميل، يزوّر جميلًا مزيفًا ليُلغي جميلك.

هذا هو التعادل الوهمي؛ ميزانٌ مختل، في إحدى كفتيه حقيقةٌ صلبة اسمها "فضلك"، وفي الأخرى هواءٌ منفوخ اسمه "قصصه".

وأنا حينها أهزّ رأسي وأمنحه انبهارًا مزيفًا، وأتركه يسترسل ويُحلّق بطلاقة الواثق. لا أواجه، ولا أفضح. أكتفي بأن أوهمه أن الحيلة انطلت، بينما الحقيقة أن كل كلمة يقولها تزيده سقوطًا في عيني، وكل بطولة يزعمها تزيده صِغرًا في ميزاني.

سخرية الموقف؛ هو على المسرح يتقن الخداع، وأنا في المقعد أتقن الانخداع، وبيننا نصٌ فاشلٌ بلا إقناع.

لماذا يفعل ذلك؟ ليصنع تعادلًا وهميًا معك، ليُفحمك ويُسكتك. يريد أن يوصلك لمرحلة تقول فيها: لا داعي للعتاب. ولم يعلم أنه بجحوده لا يُسقط فضلك، بل يُسقط نفسه.

ولهذا يبقى حافظ الفضل كبيرًا ولو كان آخذًا، ويبقى ناكر الفضل صغيرًا ولو ادّعى أنه أعطى الدنيا كلها.

فالفضل الحقيقي لا يمحوه جحود، والبطولات من ورق لا تصنع مجدًا.

وفي النهاية.. "التعادل الوهمي" بطولاتٌ من ورق.