طرق متميزة آمنة ..
د طلال الحربي
في خطوة تعكس التحول الاستراتيجي العميق الذي تشهده منظومة النقل والخدمات اللوجستية في المملكة، أطلق معالي وزير النقل والخدمات اللوجستية رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للطرق، المهندس صالح بن ناصر الجاسر، النسخة السادسة من حملة "طرق متميزة آمنة". هذا الإطلاق ليس مجرد تكرار لعمل روتيني، بل هو تأكيد على تحول جوهري في الفلسفة التشغيلية: من حملة مكثفة محدودة الزمن إلى مبادرة وطنية مستدامة على مدار العام، ترعاها القيادات الإقليمية وتشارك فيها كافة فئات المجتمع.
ما بدأ كفكرة بسيطة، نما ليكون حملة وطنية كبرى، واليوم يتحول إلى مبادرة دائمة تعكس نضجًا مؤسسيًا وفهمًا عميقًا لإدارة الأصول الوطنية. شبكة الطرق التي تتجاوز 73 ألف كيلومتر ليست مجرد أسفلت وإسمنت، بل هي شرايين الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمملكة. تحويل الحملة إلى مبادرة مستدامة يعكس الانتقال من مفهوم "رد الفعل" في معالجة الملاحظات إلى مفهوم "الفعل الاستباقي" في الإدارة والرصد المستمر، وهو ما يتماشى مع روح رؤية 2030 في تحسين جودة الحياة وبناء بنية تحتية منافسة عالميًا.
اللافت في النسخة الحالية هو الاعتماد على حزمة تقنيات متطورة تُستخدم لأول مرة، مما يضع المملكة في مصاف الدول الرائدة تقنيًا في إدارة الطرق. تقنية قياس "عاكسية الدهانات" عبر مركبات متنقلة وربطها بنظم المعلومات الجغرافية (GIS) تقدم نموذجًا للدمج الذكي بين العمل الميداني والتحليل الرقمي. كما أن استخدام الاهتزازات التحذيرية في الدهانات الأرضية، والغرفة اللحظية للتحكم والمراقبة القائمة على التحليل التنبؤي، واللوحات الإرشادية الذكية، كلها أدوات لا ترفع كفاءة الحملة فحسب، بل تعيد تعريف معايير السلامة والصيانة على الطرق السعودية. هذا الاستثمار في التقنية هو استثمار في حياة الإنسان وفي سلاسة الحركة اللوجستية التي تُعد عصب الاقتصاد الحديث.
قوة الحملة لا تكمن فقط في التجهيزات التقنية الفائقة أو الأسطول العالمي للمسح، بل في اعتمادها على شراكة حقيقية مع المجتمع. دعوة كافة مستخدمي الطرق للمشاركة عبر مركز الاتصال (938) والتطبيقات الرقمية، وإشراك طلاب الجامعات وأفراد المجتمع إلى جانب أكثر من 620 عضوًا من مختلف الجهات الحكومية والخاصة، يحول الحملة من جهد حكومي منعزل إلى مسؤولية وطنية مشتركة. هذا النموذج التشاركي هو الضامن الحقيقي لاستدامة المبادرة ونجاحها، حيث يصبح المواطن والمقيم شريكًا في الرصد والمراقبة والإبلاغ، مما يعزز الشعور بالانتماء والمسؤولية تجاه المنجز الوطني.
لا تأتي هذه الخطوة من فراغ، فهي تستند إلى سجل حافل من الإنجازات الملموسة. لقد أسهمت الحملات السابقة، جنبًا إلى جنب مع المشاريع الاستراتيجية، في خفض وفيات الطرق بنسبة تقارب 60%، وهو إنجاز إنساني واجتماعي ضخم. كما قفزت المملكة إلى المرتبة الرابعة بين دول مجموعة العشرين في مؤشر جودة الطرق، متقدمة على دول متقدمة كثيرة. ومع معالجة أكثر من 100 ألف ملاحظة في النسخ السابقة، تثبت البيانات أن الحملة ترتكز على منهجية قائمة على النتائج.
الطموح الآن لا يتوقف عند هذا الحد، فالهدف واضح: الوصول إلى التصنيف السادس عالميًا في مؤشر جودة الطرق، وخفض معدل الوفيات إلى أقل من 5 حالات لكل 100 ألف نسمة. هذه أرقام طموحة ولكنها قابلة للتحقيق في ظل التحول المؤسسي والتقني والمجتمعي الذي تشهده الحملة.
تعتبر حملة "طرق متميزة آمنة" في نسختها المستدامة نموذجًا مصغرًا للتحول الشامل الذي تقوده رؤية 2030. فهي تجسد التكامل بين القطاعات (النقل، الاتصالات، الطاقة، الصناعة)، وتعكس تبني التقنية كأداة محورية، وترسخ ثقافة المشاركة المجتمعية، وتهدف في النهاية إلى تحسين مؤشرات جودة الحياة والتنافسية العالمية. بقيادة معالي الوزير المهندس صالح الجاسر، لا تقوم وزارة النقل والخدمات اللوجستية والهيئة العامة للطرق ومعالي رئيس الهيئة بصيانة الطرق فحسب، بل تبني نظامًا نقلًا ذكيًا، آمنًا، ومستدامًا، يكون داعمًا رئيسيًا لتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي ومنصة جاذبة للاستثمار والعيش. الطريق إلى المستقمر يبدأ بطرق متميزة وآمنة.