|

بيئة العمل "السامة" … من منصات للنمو إلى ساحات للاستنزاف

الكاتب : الحدث 2026-02-14 11:13:41

بقلم: أ .فاطمة البشري

تُقدَّم بيئات العمل عادة بوصفها مساحات للازدهار المهني، وبيئات تحتضن الطموح، وتعزّز روح الفريق، وتصنع قصص النجاح. غير أن الصورة تتغير جذريًا حين تتسلل السُّمّية إلى تفاصيلها اليومية.
عندها لا تعود المؤسسة ساحة للإنجاز، بل تتحول تدريجيًا إلى مساحة للبقاء فقط، ويصبح الهدف هو النجاة من الضغط بدل السعي نحو التميز.
بيئة العمل السامة لا تنشأ بين ليلة وضحاها، بل تتشكل عبر ممارسات صغيرة متكررة تتراكم بصمت. قد تبدأ بتجاهل رأي، أو بتفضيل غير عادل، أو بأسلوب إداري قائم على السيطرة المفرطة، أو بغياب المساءلة والشفافية. ومع الوقت، تتحول هذه السلوكيات إلى ثقافة غير معلنة، تُضعف الثقة وتُربك العلاقات المهنية.
ومن أبرز مظاهر السُّمّية المؤسسية:
التقليل من شأن الموظفين أو ممارسة التنمّر، تغليب العلاقات الشخصية على الكفاءة، الإدارة التفصيلية المفرطة التي تخنق المبادرة، ضعف التواصل الداخلي، وغياب معايير عادلة للتقييم والمكافأة. هذه الممارسات، وإن بدت للبعض اعتيادية، تُحدث أثرًا عميقًا على المدى البعيد.
ومع استمرار هذا المناخ، يشعر الموظف بأنه غير مُقدَّر، وغير مسموع، وأن جهده لا يُقابل باعتراف حقيقي. وهنا تبدأ المعنويات في التراجع، ويتسلل الإحباط، وتبدأ الكفاءات في مراجعة خياراتها المهنية.
المفارقة أن أول من يغادر غالبًا هم الأكثر كفاءة.
فالموهوب يدرك قيمته، ولا يقبل أن تُختزل جهوده أو يُتجاهل عطاؤه. وعندما تتآكل الثقة في القيادة نتيجة وعود لا تُنفَّذ أو ممارسات غير عادلة، يصبح قرار الرحيل خيارًا منطقيًا. كما أن الضغوط المستمرة، والأعباء غير الواقعية، وغياب التوازن بين العمل والحياة، تؤدي إلى احتراق وظيفي يدفع نحو البحث عن بيئة أكثر استقرارًا واحترامًا.
ولا تقتصر الخسارة على مغادرة موظف فحسب؛ بل تفقد المؤسسة خبرته، ومعرفته التراكمية، وعلاقاته، وثقافة الأداء التي كان يمثلها. كما تتحمل تكاليف الاستقطاب والتدريب، فضلاً عن أثر ذلك على سمعتها في سوق العمل.
إن بناء بيئة عمل صحية ليس ترفًا تنظيميًا، بل استثمارًا طويل الأمد. يبدأ ذلك بقيادة تدرك أن رأس المال الحقيقي هو الإنسان، وأن العدالة والشفافية والتقدير ليست شعارات، بل ممارسات يومية. المؤسسة التي تستمع، وتحاسب بعدل، وتكافئ بإنصاف، وتفتح قنوات تواصل واضحة، هي الأقدر على الاحتفاظ بمواهبها وتحقيق استدامة نجاحها.
في المحصلة، لا تخسر المؤسسات أفضل كوادرها بسبب المنافسين وحدهم، بل بسبب بيئة لم تُحسن احتواءهم. فالنجاح المستدام لا يُبنى على الأرقام فقط، بل على ثقافة تحترم الإنسان وتُعزز قيمته.
وكل مؤسسة تتجاهل إشارات السُّمّية، إنما تؤجل خسارة مؤكدة … قد تبدأ برحيل موهبة، وتنتهي بتآكل منظومة كاملة.