"رؤية الهلال .. شهادةٌ تُحرّك أمةً لعبادة"
بقلم ـ جبران بن عمر
——————————————-
ليست لحظة ترائي هلال رمضان مشهدًا عابرًا في سجل الأيام، ولا حدثًا فلكيًا يُدوَّن في تقويم، بل هي مقامٌ من مقامات التكليف، وموقفٌ تتجلى فيه عظمة الشريعة، وتنكشف فيه حقيقة العبودية ، هناك، عند تخوم الغروب، يقف الرائي بين الأفق والأمانة، يعلم أن بصره إن صدق، تحركت أمة بأسرها إلى الصيام، وإن لم يثبت، بقيت على حالها تنتظر حكم السماء..
إنها لحظةٌ لا يُقاس ثقلها بمداد قرار، بل بامتداد أثره في حياة الملايين..
شهادةٌ لا تُشبه سواها ؛ من يتصور أنه بكلمةٍ واحدةٍ قد يُلزم أمةً كاملة بالإمساك عن الطعام والشراب، ويعلن بدء موسمٍ من العبادة الجماعية، يدرك أنه لا ينطق عن هوى، ولا يشهد في أمرٍ خاص، بل يقف موقفًا تتداخل فيه رهبة الشهادة مع خشية الحساب..
الرائي في تلك اللحظة لا يرى قوسًا من نور فحسب؛ بل يرى مسؤوليةً تتعلق بها صلوات المساجد، وسحور البيوت، ودموع التائبين، وخشوع القائمين ، إنه يعلم أن شهادته ليست رأيًا يُحتمل، بل حكمًا تُبنى عليه عبادة..
ولهذا تضطرب النفس هيبةً لا ضعفًا، ويخشع القلب إجلالًا لا ترددًا، ويرتج اللسان تعظيمًا لا عجزًا ، فالمقام مقامُ صدقٍ مع الله قبل أن يكون دقةً في الرؤية..
في حضرة الحرمين ، يتضاعف المعنى ؛ وحين يكون إعلان ثبوت الهلال صادرًا من بلادٍ تحتضن المسجد الحرام قبلة المسلمين، ويحتضن المسجد النبوي، موطن الرسالة ومهبط السكينة، فإن الأثر لا يبقى محليًا، بل يتردد صداه في أرجاء المعمورة..
فمن تلك الأرض التي تهفو إليها الأفئدة، يبدأ إيقاع الشهر، وتتهيأ الصفوف، وتُعلن المساجد: غدًا أول أيام رمضان..
فتتحول الشهادة من واقعةٍ زمنية إلى لحظةٍ تاريخية، تشترك فيها الأرواح قبل الأجساد..
بين البصر والبصيرة ؛ الهلال في صورته جرمٌ رفيع، لكن في معناه ميثاق..
ميثاقٌ بأن الزمن في الشريعة ليس حركة كواكب فحسب، بل مواسم تربية، ومواعيد مغفرة، ومحطات مراجعة..
ومن هنا، فإن الرؤية ليست مجرد تحقّقٍ بصري، بل تحقّقٌ تعبدي؛ لأن الشريعة علّقت بها حكمًا، وربطت بها عبادة، وأقامت عليها نظام شهرٍ كامل..
والرائي الحق هو من يجمع بين صفاء البصر ونقاء السريرة؛ فلا تغلبه رغبة الإثبات، ولا يدفعه وهج اللحظة إلى التسرع، بل يزن شهادته بميزان التقوى، ويستحضر أنه مسؤولٌ بين يدي الله عن كلمةٍ قد تغيّر إيقاع حياة أمة..
قرارٌ تتبدّل به الأيام ؛ ما إن تثبت الرؤية، حتى يتبدّل وجه الحياة..
يُعاد ترتيب الساعات، وتُضاء المساجد، وتتهيأ البيوت، وتعلو في القلوب نية الصيام.
ليلةٌ واحدة تفصل بين زمنين: زمن الاعتياد، وزمن العبادة المكثّفة..
كل ذلك بدأ من شهادةٍ قيلت بصدق ؛ فأيّ مقامٍ أعظم من مقامٍ يوقّع فيه الإنسان شهادةً يترتب عليها قيام أمة؟
وأيّ خشيةٍ أصدق من خشية رجلٍ يعلم أن قراره ليس له، بل هو أمانةٌ في عنقه، سيُسأل عنها يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون؟
رحماك يا الله ؛ إنها لحظة مسؤوليةٍ ثقيلة، يختلط فيها نور الهلال بدمعة الرائي، ويرتفع فيها البصر إلى السماء، ويرتجف القلب بالدعاء:
“اللهم إن كنتُ رأيته حقًا فثبّتني، وإن لم أره فاعصمني من الزلل.”
هكذا يبدأ رمضان ؛ لا بضوءٍ في السماء وحده، بل بخشوعٍ في القلوب، وأمانةٍ في الصدور، وشهادةٍ قيلت تعظيمًا لله وخوفًا من حسابه..
رحماك يا الله، ما أعظم شريعتك، وما أدقّ موازينها، وما أثقل الأمانة على من استشعرها..
اجعلنا من أهل الصدق في القول، ومن أهل التقوى في الشهادة، ومن أهل القبول في الصيام .