|

«ولَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»

الكاتب : الحدث 2026-03-01 02:19:13

بقلم ــ محمد العتيق 

لا تزال في ذاكرة الجزيرة العربية سنواتٌ ثقيلة لا تُنسى، امتدت بين عامي 1915 و1918، حين انقطعت الإمدادات، واشتدت وطأة الحرب العالمية الأولى، وابتلى الله الناس بقلة المطر لحكمةٍ يعلمها سبحانه، فاجتمع الجوع مع الخوف، وضاقت الأحوال على العباد. كانت سنواتٍ عجافًا أنهكت البلاد، وذاق الناس فيها مرارة الفاقة حتى ضعف كثيرٌ منهم عن العمل، بل عن الوقوف من شدة الجوع. رحل خلقٌ كثير، وبقي في الذاكرة وجعٌ يرويه الآباء للأبناء عن أيامٍ كانت فيها اللقمة أمنية، وكان القوت يُطلب بالكدّ والصبر والدعاء.


تلك الحقبة لم تكن مجرد فصلٍ في كتاب التاريخ، بل كانت امتحانًا للصبر واليقين. عاش أجدادنا على القليل، وتقاسموا ما توفر، وتمسكوا بما بقي في الأرض من رزقٍ يسير، ينتظرون فرج الله ورحمته. حتى إذا أذن الله بالفرج، تبدلت الحال، وعادت الحياة إلى مسارها، وفتح الله أبواب فضله على هذه البلاد، فأنعم عليها بالخيرات، وأغدق عليها من الرزق ما لم يخطر على بال.

واليوم نعيش – ولله الحمد – في رغدٍ ظاهر، وأسواقٍ عامرة، وأصنافٍ لا تُحصى من الطعام والشراب. تتعدد الأطباق، وتزدحم الموائد، وتفيض البيوت بما لذّ وطاب. نعمةٌ عظيمة تستوجب شكرًا عظيمًا. غير أن المؤلم أن يتحول شهر الصيام والقيام إلى موسمٍ للإفراط، وأن تُمدّ الموائد بأضعاف الحاجة، ثم يُترك أكثرها بلا مساس، وكأن النعمة أمرٌ مألوف لا يُلتفت إليه. يقول الله تعالى: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين»، فهل يليق بنا أن نكون من أهل الإسراف، وربنا جل وعلا قد نهانا عنه؟
الشكر ليس كلمةً تُقال فحسب، بل سلوكٌ يُرى وأدبٌ يُمارس. أن نأخذ من الطعام قدر حاجتنا، وأن نحفظ ما بقي، وأن نُقدّر النعمة مهما اتسعت الأموال. أذكر تاجرًا كبيرًا من كبار رجال هذه البلاد، بلغ من الثراء مبلغًا عظيمًا، ومع ذلك كان يقدّم لضيوفه طعام البيت بلا زيادةٍ ولا تكلّف. نأكل ونشبع، ولا يبقى شيء. كان يخشى أن يجعل الله الإسراف سببًا في زوال النعمة، ويرى في الاعتدال بركة، وفي التواضع حفظًا للعطاء. تلك أخلاق من عرف قدر الرزق، وعلم أن المال الكثير لا يعفي صاحبه من مسؤولية الشكر.

إن تصوير الموائد العامرة وترك أكثرها لا يليق بوعيٍ يعرف تاريخ الجوع، ولا بقلبٍ يستحضر فضل الله. ما بين أيدينا فضلٌ من الله وأمانة، ودوام النعم مرتبطٌ بشكرها. يقول سبحانه: «ولَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ». فبالشكر تزيد الخيرات، وبالاعتدال تُحفظ البركات، ونسأل الله أن يجعلنا من الشاكرين، وأن يديم علينا نعمه، وألا يجعل تقصير بعضنا سببًا في رفعها.