|

ملتقى "قراءة النص 22" جدلية الأصالة في مرايا الرؤية ووفاء المؤسسة للرواد.

الكاتب : الحدث 2026-04-06 10:45:07

بقلم ـ علي بن أحمد الزبيدي

من خلال قراءتي للتاريخ الأدبي والحراك الثقافي خلال ثلاثة عقود مضت، وصلت إلى قناعة مفادها أنّ الثقافة الأصيلة والمثقفون الأمينون على تاريخ الأدب والثقافة لديهم رؤية واضحة وصادقة للملتقيات الأدبية والثقافية فهم لايرونها مجرد تواريخ تُدوّن أو محافل تُقام؛ بل هي استنطاقٌ لذاكرة النص، واستشرافٌ لآفاق المعنى، ومن هذا المنطلق، تطل "جمعية أدبي جدة" في دورتها الثانية والعشرين لملتقى قراءة النص، لتؤكد أنّ الحراك الأدبي في كنف "عروس البحر" ليس ترفاً عابراً، بل هو صيرورةٌ معرفية تصل الماضي بجذوره الحية، وتشرع الأبواب لغدٍ أدبيٍّ يزهو بطموح رؤية المملكة 2030.

وقد أتى عنوان هذا العام: "آفاق الأدب السعودي في ظل رؤية المملكة 2030"، ليعيد صياغة العلاقة بين المثقف ومحيطه التحولي فنحن أمام مرحلةٍ لم يعد فيها الأدب "جزيرةً معزولة"، بل غدا عنصراً فاعلاً في هندسة الوعي القومي وبناء الإنسان.

إن هذا الملتقى يمثل مختبراً نقدياً يُفكك تحولات الأجناس الأدبية، ويقرأ بعينٍ فاحصة كيف يمكن للكلمة أن تتماهى مع مشروع البناء الوطني الشامل، وكيف تتقاطع رصانة المجامع اللغوية مع حيوية الجمعيات الأدبية في صيانة حياض "الضاد" وتمكينها.

ومن الجميل أنّه وفي غمرة هذا الاحتفاء النقدي، يبرزُ الوفاءُ بصفته القيمة الأسمى للمؤسسة الثقافية؛ حيث يشرع الملتقى أشرعته لتكريم القاص القدير الأستاذ محمد علي قدس، واختيار "قدس" شخصيةً لهذه الدورة ليس مجرد تكريمٍ لمسيرةٍ سرديةٍ رائدة، بل هو احتفاءٌ بنصف قرنٍ من "العشق المؤسسي"؛ حيث كان هذا الرجل سادناً لبيت الأدب في جدة، وأميناً لسرّه، وظلاً ظليلاً تعاقبت عليه الأجيال، فبقي هو الثابت في متغيرات الزمن، يمنحُ الناشئةَ من روحه، ويغرسُ في الذاكرة الجمعية قيم النبل والجدّية، وكأنما تكريمه  هو تكريمٌ لكل حرفٍ صادق، ولكل يدٍ بَنَت في صمتٍ وأخلصت في خفاء.

إن ما يمنحُ "قراءة النص" ديمومته لأكثر من عقدين هو تلك الرصانة العلمية التي لا تقبلُ المساومة؛ فمن بين عشرات البحوث التي تتدفقُ على اللجنة العلمية، تُنخلُ الأفكار وتُجتبى الدراسات الأكثر عمقاً، لتشكل في النهاية "مدونةً نقدية" ترصدُ تحولات الهوية واستثمار الثقافة، وهذا الزخم العلمي لم يكن ليتصل لولا تكامل الأدوار بين المؤسسة الرسمية والمسؤولية المجتمعية؛ حيث يتجلى دعمُ المحبين للثقافة كجسرِ عبورٍ يضمن بقاء هذه المنارة مشتعلةً بالعطاء.

إننا في "أدبي جدة" لا نقرأ النص لنستعيد الماضي فحسب، بل لنكتب من خلاله دستوراً ثقافياً للأجيال القادمة، فبين عراقة "النادي" وطموح "الجمعية"، يبقى الهدف واحداً: أن يظل الأدب السعودي صوتاً للروح، ومرآةً للوطن، وجسراً يربطُ بين أصالة الموروث وجمالية التحديث، تحت ظلال رؤيةٍ لا تكتفي باستشراف المستقبل، بل تصنعه بمدادٍ من نور.