اقتصاد الانتباه
بقلم د. بجاد البديري
مستشار الشراكات والاتصال المؤسسي
وُفِّقت وزارة الإعلام حين سلطت الضوء على مفهوم اقتصاد الانتباه، لأن القضية تتجاوز كونها مصطلحًا حديثًا، وتمس تفاصيل الحياة اليومية لكل فرد يستخدم هاتفه أو يتفاعل مع المنصات الرقمية، فالانتباه اليوم أصبح موردًا ثمينًا، تتنافس عليه الجهات والمؤسسات كما كانت الثروات تُقاس في الأزمنة السابقة بالأرض، ثم بالمصانع، ثم بالبيانات، أما في عصرنا الحالي فقد برز أصل جديد عالي القيمة: انتباه الإنسان، ومن هنا ظهر مفهوم اقتصاد الانتباه كإطار يفسر كيف أصبح تركيز الفرد ووقته الذهني من أهم الموارد التي تتنافس عليها المؤسسات والمنصات الرقمية.
العالم اليوم يعيش وفرة غير مسبوقة في المعلومات، الأخبار تتدفق على مدار الساعة، والمقاطع القصيرة تتوالى دون توقف، والإشعارات تتسابق للوصول إلى شاشة المستخدم، وفي هذا المشهد، ما عادت المشكلة في نقص المحتوى، إنما في ندرة القدرة البشرية على التركيز، فالإنسان يملك وقتًا محدودًا وطاقة ذهنية محدودة، بينما يتعرض لسيل متواصل من الرسائل، وهنا تتشكل المعادلة الجديدة: من ينجح في جذب الانتباه ينجح في التأثير.
اقتصاد الانتباه يفسر كثيرًا من التحولات في الإعلام والتسويق والتجارة الرقمية؛ المنصات لم تعد تتنافس فقط على جودة ما تقدمه، وإنما على مدة بقاء المستخدم، وعدد مرات عودته، وحجم تفاعله، ولذلك صُممت كثير من الأدوات الرقمية لتشجيع العودة المستمرة، عبر التنبيهات الفورية، والتوصيات الذكية، والمحتوى المتجدد، وآليات المكافأة النفسية التي تمنح المستخدم شعورًا سريعًا بالرضا. هذا التحول أنتج فرصًا اقتصادية هائلة؛ الشركات التي تنجح في فهم سلوك الجمهور قادرة على تحويل الانتباه إلى إيرادات من خلال الإعلانات، والاشتراكات، والمبيعات، وبناء الولاء للعلامة التجارية، كما أصبح صانع المحتوى، والمؤثر، والمنصة الإعلامية، أطرافًا رئيسية في منظومة اقتصادية جديدة تقوم على التأثير والثقة والوصول المباشر إلى الجمهور. وفي المقابل، يفرض هذا الاقتصاد تحديات مهمة، من أبرزها تشتت التركيز، وضعف العمق المعرفي، وتراجع القدرة على القراءة المتأنية، إضافة إلى انتشار المحتوى الذي يثير الانفعال أكثر من المحتوى الذي يضيف قيمة، وكلما اشتدت المنافسة على الانتباه، ارتفعت جاذبية الرسائل السريعة والصادمة والمثيرة. لهذا السبب، لم يعد الوعي الرقمي خيارًا ثانويًا، بل مهارة أساسية في حياة الفرد والمؤسسة، حيث يحتاج الإنسان اليوم إلى إدارة انتباهه كما يدير ماله ووقته، عبر تحديد الأولويات، وضبط التنبيهات، واختيار مصادر المعرفة بعناية، ومنح نفسه مساحات هادئة للتفكير العميق، كما تحتاج المؤسسات الإعلامية والتعليمية إلى تقديم محتوى يجمع بين الجاذبية والقيمة، وبين السرعة والمصداقية.
اقتصاد الانتباه مجرد مصطلح تقني عند البعض، غير أنه في حقيقته وصف دقيق لمعركة يومية تدور حول عقول الناس وقراراتهم، وفي ظل هذا التزاحم المهيب للرسائل الرقمية، يبقى الانتباه الواعي هو رأس المال الحقيقي، ومن يحسن إدارته يملك قدرة أكبر على الفهم والاختيار وصناعة المستقبل.