|

بين الكتاب والشاشة.

الكاتب : الحدث 2026-07-07 09:47:57

أ.د. محمد بن على مباركي 
عضو مجلس الشورى 


لم تعد القراءة اليوم مرتبطة بمكتبة هادئة أو كتاب ورقي يحمله القارئ بين يديه، بل أصبحت تمتد إلى الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والحواسيب، حيث تُقرأ الكتب وتُتابع المقالات وتُستمع الروايات بسهولة . لقد فرضت الثورة الرقمية واقعًا جديدًا على المشهد الثقافي، وأعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة.

وتشير تقارير دولية إلى أن استخدام الكتب الإلكترونية والمنصات الرقمية يشهد نموًا متواصلًا، خاصة بين فئة الشباب، بفضل سهولة الوصول إلى المحتوى وانخفاض تكلفته مقارنة بالكتاب المطبوع. كما أسهمت المكتبات الرقمية والمبادرات الثقافية عبر الإنترنت في إتاحة آلاف الكتب والدوريات للقراء في مختلف أنحاء العالم.

ورغم هذا التحول، لا يزال الكتاب الورقي يحافظ على نكهته و مكانته في حياة كثير من القراء. فالإقبال على معارض الكتب في عدد من الدول العربية يؤكد أن للكتاب الورقي سحرًا لا تزيله ثوره الرقمنة ، وأن تجربة القراءة التقليدية ما زالت تمنح القارئ تركيزًا وارتباطًا أعمق بالنص.

ويرى بعض المختصون في الشأن الثقافي أن العلاقة بين الكتاب والشاشة ليست علاقة تنافس، بل علاقة تكامل. فالوسائل الرقمية نجحت في نشر المعرفة بسرعة غير مسبوقة، بينما يظل الكتاب الورقي رمزًا للقراءة المتأنية والتأمل العميق. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق بشكل الوسيلة، وإنما بقدرة المجتمع على ترسيخ عادة القراءة، مهما اختلفت أدواتها.

وفي ظل هذا الواقع، تبرز مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية في تشجيع الأجيال الجديدة على القراءة، واستثمار التكنولوجيا بوصفها وسيلة لدعم الثقافة، لا بديلًا عنها. فالغاية ليست الانتصار للكتاب أو للشاشة، بل بناء قارئ واعٍ يمتلك القدرة على التمييز بين المعرفة الرصينة وسيل المعلومات المتدفقة.

ختامًا؛ إن مستقبل الثقافة لن تحدده الوسيلة التي نقرأ من خلالها، بل سيحدده مقدار ما نقرأ، وكيف نحول المعرفة إلى وعي، والوعي إلى عمل. وعندها سيبقى الكتاب والشاشة معًا نافذتين تفتحان أمام الإنسان آفاقًا أوسع للفكر والإبداع.