حامد القارحي ابتعد.. فمن التالي؟ وما الذي يحدث للمحاورة؟
بقلم - خالد المريني
حين يبتعد شاعر بحجم الشاعر الكبير حامد القارحي عن شعر المحاورة، فالأمر أكبر من مجرد غياب شاعر عن حفلة. فالقارحي اسم ارتبط بالمحاورة، وابتعاده يفتح سؤالًا لا يمكن تجاهله:
هل ابتعد القارحي وحده.. أم أن المشهد نفسه بدأ يدفع الكبار إلى الابتعاد؟
لا نملك أسباب قراره، ولا يصح أن ننسب إليه ما لم يقله، لكن ابتعاده يمنحنا فرصة لطرح سؤال أوسع: ماذا يحدث للمحاورة؟
خصوصًا أن حفلات المحاورة هذا الصيف تبدو أقل من مواسم سابقة. قد يكون ذلك ظرفًا عابرًا، لكنه يستحق التوقف.
المحاورة تغيّرت.. فهل تغيّرنا معها؟
الجمهور اليوم مختلف، ووسائل التواصل جعلت الوصول إلى الشعر أسهل، لكنها غيّرت طريقة الاستماع إليه.
أصبح البيت الواحد أو الرد المثير قادرًا على الانتشار أكثر من محاورة كاملة.
وهنا الخطر:
المحاورة ليست لقطة.. المحاورة مواجهة.
هي بناء شعري يقوم على سرعة البديهة وقوة المعنى والرد والمباغتة، وليس مجرد مقطع يبحث عن المشاهدة.
كما أن تكرار الأسماء والتركيبات قد يفقد الحفلات عنصر المفاجأة.
الشاعر الكبير لا يحتاج إلى الظهور في كل مناسبة.. أحيانًا قليل من الغياب يصنع كثيرًا من الشوق.
والساحة تحتاج، إلى جانب الأسماء الكبيرة، إلى شعراء شباب ومواجهات جديدة تعيد الحماس للمشهد.
المهاترات والنعرات.. حين يخسر الشعر
المحاورة تقوم على التحدي والرد، لكنها لا تحتاج إلى الإساءة ولا إلى تحويل الانتماء القبلي إلى وقود للمهاترات.
حين لا يكفي الشعر لإشعال الحماس، تبدأ النعرات بإشعال الجمهور.. وهنا يخسر الجميع.
قد تصنع العبارة المستفزة ضجة ومشاهدات، لكنها لا تصنع شاعرًا كبيرًا ولا ترفع قيمة المحاورة.
قوة الشاعر في معناه وسرعة بديهته وقدرته على هزيمة خصمه بالشعر لا بالإساءة.
نريد محاورة قوية وشرسة، لكن داخل حدود تحفظ للشاعر مكانته وللفن هيبته.
فالمحاورة ترتفع بالشعراء عندما يرتفع شعرهم، وتسقط عندما تصبح النعرات أقوى من الشعر.
من المسؤول عن المشهد؟
لا يمكن تحميل الشعراء وحدهم المسؤولية.
أصحاب الحفلات والإعلام والمنصات والجمهور جميعهم شركاء في صناعة المشهد.
تكرار الأسماء، وتقديم المقطع الأكثر إثارة على المحاورة الأقوى، وعدم منح الأسماء الجديدة فرصتها، كلها أمور تستحق المراجعة.
والحديث عن الشلليات ليس اتهامًا لأحد، لكنه سؤال عن تكافؤ الفرص:
لماذا لا نرى مواجهات أكثر بين أسماء مختلفة؟ ولماذا لا تكون المفاجأة جزءًا من صناعة الحفلة؟
الجمهور لا يريد أن يعرف كل شيء قبل أن تبدأ الحفلة..
الجمهور يريد أن يتفاجأ.
حامد القارحي.. فمن التالي؟
ابتعاد القارحي لا ينبغي أن يكون مناسبة للتكهن بأسبابه، بل فرصة لمراجعة المشهد.
إذا كان قرارًا شخصيًا، فهو حقه.
أما إذا كان المشهد نفسه لم يعد يغري بعض الكبار بالاستمرار، فهنا يجب أن نتوقف طويلًا.
حامد القارحي ابتعد.. فمن التالي؟
هذا ليس سؤالًا عن شاعر قادم، بل عن مستقبل فن كامل.
المحاورة لا تموت بسهولة، لكنها تحتاج إلى تجديد، ومنافسة، وأسماء جديدة، وحفلات تعيد للجمهور شغفه.
لا نحتاج إلى حفلات أكثر فقط..
نحتاج إلى حفلات تجعل الجمهور يشتاق إليها.
ولا نحتاج إلى شعراء يظهرون أكثر..
نحتاج إلى شعراء حين يظهرون، يقولون شيئًا يستحق أن يُسمع.
حامد القارحي ابتعد..
فهل نراجع حال المحاورة قبل أن نسأل مرة أخرى: فمن التالي؟