حين يتحوّل السفر إلى أدب، قراءة في بلاد البلاتا
بقلم القاص/ عبدالله ساعد المالكي
هناك علاقةٌ قويةٌ وشغف قديم بيني وبين أدبِ الرحلات، ذلك النوع من الأدب الذي يأسرني ويأخذني قسرًا من كل ما عداه من أنواع القراءات،
ومن أولى القراءات في بواكيرِ العمر، وأنا مأسورٌ بذلك النوع من الأدب، ولم أستطع تجاهله، مع ما تجاهلتُ لاحقًا من قراءاتٍ بحيث تخلصت تباعاً من ذلك الهوس بقراءة كل شيء عدا القصة والرواية وادب الرحلات .
وقرأت فيه الكثير من المؤلفات للرحالة العرب والأوروبيين وفي رأيي المتواضع أن أهم ما يميّز كتابًا عن آخر في هذا النوع من الأدب هو قدرة المؤلف على التقاط التفاصيل ودقة الوصف وامتلاك ناصية اللغة .
كتابُ(بلاد البلاتا) أو بلاد الفِضّة بالإسبانية..وهو ثمرة رحلة استمرت مايقارب الشهر في تلك النواحي الباردة قام بها الصديق الأستاذ حسين بن صبح
ولن يمرّ بك هذا العنوان اللافت دون أن تسبر غوره وتكتشف مكنوناته.
لقد عهدتُ حسين كاتبَ قصّةٍ بارعًا، له عينٌ ناقدة وقلمٌ رشيق وذائقةٌ أدبيةٌ رفيعة حين يتناول بالنقد نصًّا سرديًّا يعجبه، لكنّني لم أكن على معرفةٍ سابقة ببراعته في هذا الشأن الأخير، المتمثّل في أدب الرحلات ومرد ذلك الى تقصيري ؛ وقد علمتُ منه أنّه قد طرق هذا المجال من قبل وخاض غمار الكتابة فيه.
“وأول ما يلفت انتباهك، إلى جانب العنوان العريض، هو تجاور اسمه مع (أدريانا فووك) وهي كاتبة أرجنتينية أو (ناني دلمار)، الاسم الذي عُرفت به في عالم الأدب، كما قالت في مقدمة بديعة مليئة بالشجن عن طفولتها وروحها ومايعتمل في دواخلها من تجلّيات وتناغمات وأمل .
أسلوبٌ من التقاسم الكتابي كان له وقعٌ جاذب ووهجٌ مختلف حول هذا النوع من التأليف.
يأخذنا حسين معه ويمضي بنا باقتدار إلى تلك الربوع النائية مابين الأرجنتين والشيلي ،متمهلا يرصدها في الطريق اليها من سماواتها العالية وعبر موانيها المزدحمة يزور المدن ويجوس في اطرافها ومعالمها الحضريه والتاريخية ويجسّدها على هيئة صورٍ نابضةٍ بالحياة بين دفّتي كتابهما المشترك.
راسمًا في كلّ صفحةٍ متعةً مذيلةً بصورة ضوئية
وفضلًا عمّا يجسّده لك من وصفٍ دقيقٍ لكلّ ما شاهده وطرقتْه قدماه من عادات وتقاليد وطباع في المأكل والملبس فإنّه يأخذك الى بعد آخر إلى ديارٍ كنت أظنّها باردةً في أطرافها وحنايا أهلها، لكنّه يجعلك تندهش من ذلك الدفء في المشاعر، والألفة في السلوكيات والتصرّفات.
وفي الجزء الذي سطّرته أدريانا، أسهبَت فيه بشجن عن جمال وعراقة بلادها ورصد لما قرأته هي في انطباعات حسين تجاه ديارها وناسها، متحدثة بإعجاب عن تلك الدهشة والمودة في عينيه حيال ماشاهده وعاشه ومضيفة اليه .
بينما يأخذك هو إلى ما تنتظره منه كقاري ليريك من خلال ما يراه، جمالَ الدنيا وتباينَ وتوافقَ أخلاقيات وطبائع البشر، يغوص في الشخصيات العابرة بعين خبير ويرصد انفعالاتهم وتفاعلهم معه ومع المحيط الذي ينتمون اليه مضيفا نبذه تاريخيه أو فايدة معرفية عن مكان أو شخصية بقلم رحّالة عريق لا تنقصه القدرة على التقاط التفاصيل، ولا شُحّ في المعلومة او قاموس اللغة.
وهنا لا احاول تقديم رؤية نقدية بل اسجل اعجابي كقاري بمحتوى جميل و بفكرة وجدتها آسرة تجسدت في اخراج هذا المنتج المشترك.
ختامًا، أزعم أنّ لا شيء يضاهي متعة تصفّح كتابٍ يعجبك، وتتوق نفسك للاستزادة منه، وتتمنّى ألّا ينتهي؛ كمن يلتهم وجبةً على جوعٍ مستبدّ، فتنتهي قبل أن تسدّ جوعه. وذلك هو الشعور الذي يتلبّسني عندما أفرغ من كتابٍ أحببته.