|

مرثية في وداع والد زوجتي المربي الفاضل احمد بن محمد المليص

الكاتب : الحدث 2026-10-08 06:28:24

 

بقلم - عبدالعزيز بن حسين الغامدي 

اليومَ ماتَ أبي مجدداً بعد رحيله الأوّل منذ سبعةٍ وأربعين عاماً؛ اليومَ بكيته بحرقة وأنا أحتضن بناتي وأواسيهنّ حين ألقيتُ عليهنّ نبأ وفاة جدهنّ لأمهنّ، حتى ما عدتُ أعلم حينها مَن يُواسي الآخَر! وأخذتُ أردد عليهنّ بغير شعور: «تماسَكْن، فقد عرفتُ رحيلَ الغاليين قبلَكنّ؛ فقدتُ أبي وأمي وأخي».

اليومَ غادرنا ذلك الرجلُ الشهمُ النبيل، التربويُّ الرائع الذي ينتمي إلى جيلٍ من التربويين الأفذاذ، والذي تدرّج في عددٍ من الوظائف التعليمية وكان من أوائل مَن أسسوا التعليم في منطقة الباحة، وعُرِف عنه الانضباطُ السلوكي، وتتلمذ على يديه جمعٌ من المبدعين في مختلف مجالات العمل في ربوع البلاد. 

رجلٌ عشق العلم؛ فواصل تعليمه الجامعي بعد تخرجه في معهد المعلمين وحصل على شهادة البكالوريوس من جامعة الملك عبدالعزيز، ثم ذهب لإكمال الماجستير في مصر وهو على مشارف الخمسين، وتجاوز سنتَه الدراسية الأولى، ولم يمنعه عن مواصلة دراسته إلا ملازمةُ والده في مرضه الأخير؛ إذ تخلى عن حلمه الأكاديمي من أجل رعاية أبيه، وظلت رغبته في إكمال دراساته العليا هاجساً يراود أحلامه حتى بعد أن تخطى حاجز السبعين.

اليومَ رحل مَن احتضنني -وأنا زوجُ ابنته الكبرى- منذ ثلاثين عاماً، وجعلني أحَد أبنائه، وكانت مكانتي لديه كمنزلة ولدَيْه الغاليَيْن «محمد» و«سعيد»؛ إذ كان يدرك أنني نشأتُ يتيمَ الأب، حيث توفي والدي وأنا دون الثالثة عشرة من عمري.

اليومَ رحل الشيخُ الوقور، والمربي الفاضل، والقائدُ التعليمي الملهم: أحمد بن محمد المليص الغامدي، ابن قرية «الريحان»، الذي زرع محبته في كل القلوب التي عرفته أو سمعت به، حتى إنّ ثمة مَن سمّى ابنَه باسمه في إحدى قرى «الحبشي» بمنطقة الباحة تيمناً به حين كان مديرأ لإحدى مدارسها.

اليومَ مات حبيبُ الأطفال، ذلك الشيخُ الحنون الذي كان الصغار يمسكون بيده فيقودونه بانصياعٍ تام وبهدوءٍ وسلام إلى مكتبه الخاص في بيته ليُطعمهم الحلوى دون أن يمنعهم، حتى وهو في أيامه الأخيرة وقد أرهقته أمراضُ الكبر؛ فكان حين يُذهب به إلى طوارئ المستشفى ويسَمع أصواتَ أطفالٍ مرضى يبكون، يشير بيده إلى الأطباء كي يسعفوا أولئك الأطفال، يتألم لألمهم ويحزن لحزنهم.. وكيف لا وهو مَن تولى إدارة دار رعاية الأيتام بجدة، وكان من أنزه المديرين الذين مروا عليها؟!

اليومَ مات مَن أهداني زهرةَ حياته -ابنته الكبرى- وأتَمنني عليها، فكانت زهرةَ ريحانٍ عُرِفت بتدينها وتقواها، وكانت أمّاً صالحة لأولادي وبناتي.

اليومَ مات ذلك الرجلُ العظيم، وبكيته.. وحقَّ لي أن أبكيه.