آخر العنقود

الكاتب : الحدث 2026-11-03 01:29:20


بقلم المهندس خالد الغامدي

ليلة الزفاف، ينتظرها كل شاب وفتاة بفارغ الصبر، فهي كما يقولون: «ليلة العمر». ويكون الأهل والأقارب في قمة سعادتهم وهم يحتفلون بنجمي تلك الليلة: العريس والعروس.

وفي تلك الليلة تبدأ حياة جديدة للشاب والفتاة في منزلٍ خاص بهما، ويبدآن في تحقيق الأحلام التي نسجاها خلال فترة عقد القران. ومع ولادة أول طفل، تتغير نظرة المجتمع إليهما؛ من «عريس وعروس» إلى «أب وأم».

وتبدأ رحلة طويلة من العطاء، يبذل خلالها الأبوان الغالي والنفيس من أجل إسعاد أبنائهما وتوفير حياة كريمة لهم، ويواصلان رعايتهم وتربيتهم حتى يكبر كل واحد منهم، ويصبح قادرًا على الزواج، تمهيدًا لانتقاله إلى بيت الزوجية… واحدًا تلو الآخر.

ومع مرور السنوات، يجد الأبوان نفسيهما وقد انفردا بـ«آخر العنقود»، سواء كان شابًا أم فتاة. ذلك الابن الذي ظل آخر من بقي في المنزل، وآخر من كان يملأ أرجاءه حركةً وضحكًا وحديثًا.

وفي خِضم زحمة الحياة، تأتي اللحظة التي ربما لم يتوقعها الأبوان، أو لم يكونا مستعدين لها نفسيًا؛ إنها ليلة زفاف «آخر العنقود».

تنتهي مراسم الزفاف، ويعود الأبوان إلى منزلهما، لكن هذه المرة ليس كما كانتا عليه من قبل… يعودان إلى منزل أكثر هدوءًا، وربما أكثر وحدة.

تظهر على ملامحهما آثار السنين الماضية؛ سنوات السهر والتعب والقلق، وسنوات التربية والعطاء والتضحيات التي بذلاها من أجل أبنائهما. وقد يشعران في تلك اللحظة بفراغ كبير، بعد أن اعتادا أن يكون المنزل مليئًا بالأصوات والحكايات والزيارات والمشاغبات.

لكن الفطين من الآباء والأمهات من يدرك أن مغادرة «آخر العنقود» ليست نهاية الحياة، بل هي بداية مرحلة جديدة.

مرحلة يستحق فيها الأبوان أن يلتفتا إلى نفسيهما، وأن يستمتعا بما تبقى من العمر بعد سنوات طويلة من العطاء. مرحلة للسفر والتنقل، واكتشاف أماكن جديدة، وقضاء الوقت معًا، والبحث عن راحة البال، واستعادة بعض اللحظات الجميلة التي ربما حالت مسؤوليات الأبناء دون عيشها.

فبعد أن أمضى الأبوان أجمل سنوات عمرهما في بناء أسرة وتربية أبناء، حان الوقت ليحصدا شيئًا من ثمار ذلك العطاء.

أيها الأبوان… عندما يرحل «آخر العنقود» إلى بيته الجديد، لا تنظرا إلى المنزل على أنه أصبح فارغًا، بل انظرا إليه على أنه أصبح مساحة جديدة لكما، لتعيشا ما تبقى من عمركما براحة وسعادة وطمأنينة.

ولعل قراءة هذا المقال «آخر العنقود» تكون بداية لاتخاذ قرار جميل… أن تكون السنوات القادمة أجمل من السنوات الماضية.