خروج المنتخب السعودي... نتيجة طبيعية لفوضى العمل الرياضي
بقلم / محمد العتيق
لم يكن خروج المنتخب السعودي من كأس العالم مفاجئًا، بل كان نتيجة متوقعة لمن يتابع واقع الكرة السعودية خلال السنوات الماضية. فالمشكلة لا تكمن في مباراة خسرناها أو بطولة خرجنا منها، وإنما في منظومة تعاني من سوء التخطيط، وضعف الإدارة، وتداخل الصلاحيات، والفوضى التي أصبحت سمةً بارزة في عمل بعض لجان الاتحاد السعودي لكرة القدم.
ومن المؤسف أن كل ذلك يحدث في وقت تحظى فيه الرياضة السعودية بدعم غير مسبوق من الدولة؛ مليارات الريالات تُضخ لتطوير الأندية، واستقطاب اللاعبين العالميين، والتعاقد مع المدربين، وبناء المنشآت الرياضية الحديثة، بهدف صناعة كرة قدم تنافس عالميًا. لكن هذا الدعم الكبير لا ينعكس بالصورة المأمولة بسبب غياب العمل المؤسسي الذي يستثمر هذه الإمكانات بالشكل الصحيح.
ولا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يمارسه بعض الإعلاميين الرياضيين، الذين جعلوا ميولهم للأندية فوق مصلحة المنتخب الوطني. فعند مشاركة المنتخب خارجيًا تتحول بعض المنابر إلى ساحات لتصفية الحسابات، واستهداف لاعبين لأنهم ينتمون إلى نادٍ معين، بينما يتم التغاضي عن أخطاء لاعبين آخرين بسبب انتماءاتهم. وهذه الممارسات لا تسيء إلى المنتخب وحده، بل تُسهم في تغذية التعصب الرياضي وشحن الجماهير، حتى تتحول المنافسة الشريفة إلى حالة من الاحتقان والانقسام.
ومن هنا، فإن من يثير التعصب ويؤجج الكراهية بين الجماهير لا يضر بالرياضة فحسب، بل يمس إحدى أهم ركائز المجتمع، وهي اللحمة الوطنية. ولهذا فإن من الواجب أن تُطبق الأنظمة بحزم على كل من يتجاوز حدود النقد الرياضي إلى إثارة الفتنة أو تأجيج التعصب، أيًا كان اسمه أو مكانته أو تأثيره الإعلامي. فالرياضة وُجدت لتقريب الناس وتعزيز روح المنافسة، لا لتفريقهم أو زرع العداوة بينهم. وسيظل الانتماء للوطن فوق كل انتماء، ولن يكون الانتماء لنادٍ، مهما بلغت جماهيريته أو مكانته، أكبر من الانتماء للوطن. وإذا وصل الحال إلى تقديم الميول الرياضية على مصلحة الوطن، فهذه مشكلة تستوجب الوقوف عندها بكل حزم.
كما أن تضارب قرارات اللجان يثير كثيرًا من علامات الاستفهام؛ لجنة تصدر قرارًا، وأخرى تنقضه، وثالثة تعاقب، ورابعة تلغي العقوبة، في مشهد يفتقد إلى الانسجام والوضوح، ويؤثر سلبًا في ثقة الجماهير والوسط الرياضي.
والاتحاد السعودي لكرة القدم مطالب أيضًا بإعادة النظر في آلية عمل لجانه، بحيث يكون هناك فصل واضح بين اللجان المختصة بالمنتخبات الوطنية واللجان المعنية بالجوانب التنظيمية والانضباطية، وأن تُدار المنتخبات وفق رؤية فنية مستقلة بعيدة عن المجاملات والضغوط الإعلامية أو الحسابات المرتبطة بالأندية. فالمنتخب الوطني ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل مشروع وطني يجب أن يُدار باحترافية وعدالة.
كما أن تطبيق الأنظمة يجب أن يكون على الجميع دون استثناء. فعندما يشعر الوسط الرياضي بوجود مجاملات لبعض اللاعبين أو تهاون مع أخطاء دون غيرها، فإن الثقة في المنظومة تتراجع، ويصبح الاحتقان هو النتيجة الطبيعية. ولا يجوز أن يُصنع من أي لاعب، مهما كانت موهبته أو جماهيريته، نجمٌ فوق النظام، أو أن يُقدَّم على أنه أكبر من الدوري السعودي أو أكبر من الرياضة السعودية. فالأنظمة وُضعت لتطبق على الجميع، والعدالة هي الضمان الحقيقي لنجاح أي مشروع رياضي.
وكان من المفترض، بعد ضمان التأهل إلى كأس العالم بوقت كافٍ، أن تبدأ مرحلة إعداد علمية دقيقة، تتضمن اختيار أفضل العناصر، ووضع برنامج فني متكامل، والاستفادة من فترة الإعداد الطويلة. لكن الواقع أظهر استمرار المجاملات، والإصرار على بعض الأسماء التي لم تعد تقدم الإضافة، إلى جانب انتقاء اللاعبين أحيانًا وفق اعتبارات مرتبطة بالأندية أكثر من ارتباطها بالمستوى الفني، وكأن هناك محاصصة غير معلنة لإرضاء هذا النادي أو ذاك، خشية الهجوم الإعلامي.
والأخطر من ذلك أن هذه الأجواء تخلق حواجز نفسية بين لاعبي المنتخب أنفسهم، فيدخل اللاعب المعسكر وهو يحمل إرث المنافسات الجماهيرية والإعلامية، بدلًا من أن يدخل بروح الفريق الواحد الذي يمثل وطنًا كاملًا، فينعكس ذلك على الانسجام داخل الملعب وعلى الأداء العام للمنتخب.
إن إصلاح الكرة السعودية لا يكون بزيادة الإنفاق فقط، وإنما ببناء منظومة احترافية تقوم على التخطيط طويل المدى، والعدالة في تطبيق الأنظمة، والمحاسبة الصارمة للجميع دون استثناء. فالنادي الذي يخطئ يجب أن يُحاسب، واللاعب الذي يسيء يجب أن يُعاقب، بغض النظر عن اسمه أو ناديه أو جماهيريته، لأن هيبة الأنظمة وعدالتها هي الأساس الذي تُبنى عليه أي رياضة ناجحة.
فمتى أصبحت الكفاءة هي معيار الاختيار، والأنظمة تُطبق على الجميع دون تمييز، واستقل العمل الفني للمنتخبات عن المجاملات، وتراجع تأثير التعصب الإعلامي، عندها فقط يمكن أن نتحدث عن منتخب قادر على المنافسة الحقيقية، وعن كرة قدم تواكب حجم الدعم الكبير الذي توليه لها القيادة الرشيدة، وتحقق طموحات الجماهير السعودية. فالوطن يستحق أن تكون جميع الجهود موجهة لخدمته، وأن تبقى رايته فوق كل شعار، ومصلحته فوق كل ميول، ووحدته الوطنية خطًا أحمر لا يجوز المساس به تحت أي ظرف.