|

اتخاذ القرار بين حماس الفكرة والاقتناع بها

الكاتب : الحدث 2026-02-15 11:48:08

بقلم د. بجاد البديري
مستشار الشراكات والاتصال المؤسسي


في كل تجربة قيادية حقيقية، تمر لحظة يلتقي فيها الحماس بالعقل، فكرة لامعة تُشعل الحضور، عرض مُتقن يسرق الانتباه، ونقاش يتصاعد بنبرة إيجابية تدفع الجميع نحو الموافقة، وفي تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الاختبار الحقيقي: هل نحن متحمسون للفكرة أم مقتنعون بها؟. الحماس طاقة مهمة، هو الشرارة الأولى التي تُحرِّك الفِرَق، وتدفع المبادرات إلى الأمام، وتخلق مناخًا من التفاؤل، غير أن الحماس وحده لا يكفي لبناء قرار راسخ لارتباطه بالمشاعر الآنية، بينما الاقتناع يرتبط بالتحليل العميق، وأن الحماس يرى الإمكانات، والاقتناع يوازن بين الإمكانات والتبعات.

يرى عالم النفس التنظيمي Adam Grant أن القادة الأكثر فاعلية هم أولئك الذين يمنحون أفكارهم مساحة للاعتراض قبل اعتمادها، ويشجعون ما يسميه “التفكير المضاد” لاختبار الفرضيات بدل الاكتفاء بتأييدها. هذه الفلسفة تعكس فارقًا جوهريًا بين الانجذاب للفكرة وبين الاقتناع بها؛ فالفكرة التي تصمد أمام النقد الواعي تصبح أقرب إلى القرار الناضج، بينما الفكرة التي تعتمد على التصفيق وحده تظل رهينة المزاج اللحظي.

الفرق بين الحماس والاقتناع يشبه الفرق بين الانطباع الأول والرؤية الاستراتيجية، فالانطباع قد يكون صادقًا، لكنه سريع، أما الرؤية فتحتاج وقتًا، وبيانات، ومقارنة بدائل، واستحضار أثر القرار على المدى المتوسط والبعيد، والقائد الذي يخلط بينهما قد يربح لحظة تأييد، لكنه يخاطر باستقرار طويل الأمد. اتخاذ القرار ليس معركة بين العاطفة والعقل، بل عملية تكامل بينهما، فالحماس يمنح القرار روحه، والاقتناع يمنحه هيكله، ودون الحماس يصبح القرار جامدًا، ودون الاقتناع يصبح هشًا. وعندما نصل إلى مرحلة الاقتناع، يتغير الشعور الداخلي تجاه القرار، كونه لم يعد مدفوعًا بزخم اللحظة، بل بثقة هادئة، وتصبح الإجابة عن الأسئلة الصعبة ممكنة، ويصبح الدفاع عن القرار مبنيًا على فهم، لا على اندفاع.

في النهاية، القائد الواعي لا يسأل فقط: هل أحب هذه الفكرة؟ بل يسأل: هل خضعت هذه الفكرة لاختبار النقد والتحليل؟ وبين السؤالين تتحدد جودة القرار، لأن القرار المتزن يولد من حماسٍ مُلهم، ويترسَّخ باقتناعٍ مسؤول.