|

حين يصبح الصمت رفاهية

الكاتب : الحدث 2026-04-11 06:10:08

بقلم ــ محمد خواجي
--------------------------------
في زمنٍ ليس ببعيد، كان الصمت أمرًا عاديًا.
لحظات طويلة تمر دون إشعارات، دون أخبار عاجلة، ودون شعور بأنك متأخر عن شيء ما يحدث في مكان آخر.

اليوم تغيّر كل شيء. نستيقظ على أصوات التنبيهات، نقضي يومنا بين الرسائل والمقاطع والأخبار، وننام بعد جولة أخيرة في الشاشات. وبين البداية والنهاية تمر ساعات طويلة من الضجيج الغير مرئي .

المشكلة أن هذا الضجيج لا يُسمع بالأذن فقط، بل يسكن العقل و يملأه.

العقل البشري لم يُخلق ليعالج هذا الكم الهائل من المعلومات ( غير المفيدة غالبًا) في وقت قصير. ومع ذلك أصبحنا نعيش في حالة تدفق مستمر من المحتوى: خبر بعد خبر، مقطع بعد مقطع، ورأي بعد رأي. كل شيء يطالب باهتمامنا في اللحظة نفسها.

ومع مرور الوقت، يحدث أمر غريب:
نصبح أقل قدرة على التفكير العميق.

ليس لأننا فقدنا القدرة، بل لأننا فقدنا المساحة التي تسمح للتفكير أن يحدث. فالأفكار الكبيرة غالبًا لا تولد في الضجيج، بل في لحظات الصمت.

كثير من الأفكار الناجحة والعظيمة في حياة الإنسان لا تأتي أثناء التصفح، بل أثناء المشي، أو الجلوس بهدوء، أو في لحظة شرود غير مقصودة.

لكننا اليوم نملأ حتى هذه اللحظات.
الدقائق التي كانت فراغًا أصبحت فرصة لمقطع سريع أو خبر عابر.

وهنا المفارقة:
كلما حاولنا أن نكون أكثر اتصالًا بالعالم، أصبحنا أقل اتصالًا بأنفسنا.

لذلك لم يعد الصمت مجرد حالة طبيعية كما كان في الماضي، بل أصبح شيئًا نادرًا… وربما رفاهية أيضًا.

رفاهية أن تجلس بلا شاشة.
أن تمشي دون سماعات.
أن تسمح لعقلك أن يتنفس قليلًا.
أن تفكر خارج محيطك اليومي. 

ربما لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى مزيد من المعلومات بقدر ما يحتاج إلى مساحة هادئة يفهم فيها نفسه.

ومضة :
في عالم مليء بالضجيج، قد يكون الصمت… أحد أكثر الأشياء التي نحتاجها.