قوة بلا ضجيج: السعودية وإدارة توازنات أخطر أزمات المنطقة
بقلم ـ د. محمد الأنصاري
أستاذ القانون الدولي
—————————————————
ليست كل قوة تُقاس بقدرتها على خوض الحروب، بل بقدرتها على منعها. وفي واحدة من أكثر لحظات المنطقة توترًا، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها فاعلًا محوريًا يدير التوازنات بدلًا من الانجراف داخلها.
تمر المنطقة بمرحلة انتقالية عميقة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى وتتصاعد احتمالات الاحتكاك بين أطراف متعددة. في هذه البيئة، لم تعد قواعد الاستقرار التقليدية كافية، وباتت قدرة الدول المحورية على ضبط الإيقاع الإقليمي عنصرًا حاسمًا يفوق في أهميته مجرد الاصطفاف السياسي.
في هذا السياق، تتبنى الرياض نهجًا يتجاوز ثنائية الانخراط الكامل أو الحياد السلبي، نحو ما يمكن تسميته “إدارة التوازنات الفاعلة”. هذا النهج يوظّف الأدوات السياسية والدبلوماسية لمنع الانزلاق نحو مواجهات أوسع، مع الحرص على تجنب الكلفة المباشرة للصراع. ويستند إلى إدراك واضح: أن الفراغ في لحظات التوتر لا يبقى فارغًا، بل يُملأ سريعًا بقوى أكثر اندفاعًا وأقل حرصًا على الاستقرار.
ويكتسب هذا الدور ثقله الاستراتيجي من موقع الخليج العربي بوصفه مركز ثقل في معادلات الطاقة والتجارة الدولية. استقرار هذا الإقليم مسألة تتجاوز الإطار المحلي إلى النظام الاقتصادي العالمي، ما يجعل المملكة شريكًا لا غنى عنه لأي طرف دولي معني باستقرار الأسواق وسلاسل الإمداد، خصوصًا في ظل المخاطر المرتبطة بممرات استراتيجية كمضيق هرمز.
ولا يقتصر الدور السعودي على البعد السياسي، بل يمتد إلى إدارة التداعيات الاقتصادية واللوجستية للأزمات. هذا التحول من مفهوم الدولة المتأثرة بالأزمات إلى الدولة القادرة على امتصاص جزء من تداعياتها يمثل نقلة نوعية في طبيعة الدور الإقليمي السعودي، ويعزز مكانتها بوصفها عنصر استقرار لا مجرد طرف في المعادلة.
ومع تصاعد التوترات، يتزايد الحديث عن إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي بعيدًا عن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية. في هذا الإطار، يُقدّم الطرح السعودي رؤية لهندسة أمنية أكثر تماسكًا تقوم على الشراكات المباشرة بين دول المنطقة والمصالح المشتركة، بدلًا من الارتهان للتحالفات المتغيرة. وتدعم الرياض مسارات التهدئة عبر القنوات الدبلوماسية المتاحة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن إدارة الأزمات بالتفاوض أقل كلفة من الانزلاق نحو التصعيد المفتوح.
في المحصلة، في عالم تتسارع فيه الأزمات وتضيق مساحات المناورة، يتأكد أن القوة الحقيقية لا تُقاس بحدة الانخراط في الصراع، بل بالقدرة على منعه أو احتوائه. تجسّد المقاربة السعودية اليوم نموذجًا مختلفًا لدور الدولة في الإقليم: دولة تحمي مصالحها الوطنية وتصون استقرار محيطها في آنٍ واحد، لا بالضجيج بل بإتقان فن إدارة التوازن.