|

بين فِطرة الخالق وهَوس المخلوق: فلسفة الطيبات

الكاتب : الحدث 2026-05-12 07:21:47

بقلم /  محمد العتيق  

حين استخلف الله الإنسان في هذا الكون الفسيح، لم يتركه هائماً في تيه الحيرة، بل بسط له مائدة الأرض برحمة الواهب وحكمة الخبير. أنزله ليعمر لا ليدمر، وليحيا لا ليعاني، وهيأ له كافّة سبل العيش الكريم، فأحلّ له الطيبات التي تمدّ الروح بالقوة والجسد بالعافية، وحرّم عليه الخبائث التي تنخر في كيانه وتفسد عليه صفو حياته. فكان الحلال بيّناً كالشمس في ضحاها، والحرام جليّاً كالسواد في دجاها، وما بينهما من متشابهات، تركها المؤمن تورعاً، واستبانها العاقل حذراً.


إلا أننا اليوم، صرنا نشهد في مشهدنا المعاصر "حمى" من الاجتهادات التي تخالف الفطرة السوية قبل أن تخالف النقل الصريح. أصواتٌ ترتفع هنا وهناك، تضيق ما وسّعه الله، وتحرّم ما استطابه البشر بـموجب الفطرة، وتضع حواجز وهمية بين الإنسان ورزقه الحلال. يخرج علينا من يحدد "قائمة ممنوعات" من صلب الطيبات، وكأنهم يعيدون صياغة قانون الطبيعة، متجاوزين بذلك المنهج الإلهي والمنطق الطبي على حد سواء.

إن المنهج الحق لا يحتاج إلى فلسفات معقدة؛ فقد لخصته السماء في كلماتٍ هي دستور العافية: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا}. هي قاعدةٌ ذهبية تمنحك حرية الاستمتاع بفيض نعم الله، وتضع لك كابحاً واحداً هو "الإسراف". وجاءت السنة النبوية الشريفة لترسم الحدود العملية لهذا المنهج بقول المصطفى ﷺ: "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه".

فالخلل ليس في ذات "الطيبات" التي خلقها الله، بل في "طريقة التعامل" معها. القاعدة الطبية والشرعية تلتقيان عند نقطة واحدة: لا تحريم لما أحل الله، بل تهذيب لشهوة النفس من التخمة والضرر. مريضٌ هو ذلك الفكر الذي يترك الحديث عن الخبائث والسموم الحقيقية التي تفتك بالناس، لينشغل بتحريم "المباح" وتضييق الخناق على المتعة المشروعة في المأكل والمشرب.

إن العافية تكمن في احترام "الفطرة"؛ أن نأكل من الطيبات بشكرٍ واعتدال، وأن نؤمن بأن الله الذي خلقنا هو الأعلم بما ينفعنا، وما دام الحلال طيباً، فلا سلطة لبشر في منعه، بل السلطة للعقل في إدارته، وللجسد في الاكتفاء منه بما يقيم الصلب ويحفظ الصحة.