أنين بيتنا القديم ..
بقلم : د/ سلمان الغريبي
رئيس قسم المقالات
----------------------------

عندما يئن بيتنا القديم وتهتز أركانه، ويسأل عن الراحلين عنه إلى السماء عند رب رؤوف رحيم ، يقابله أنين الساكنين فيه بلوعة واشتياق؛ فأنين البيت صامتٌ، ورائحته تفوح وتملأ المكان والجدران ، أنين البيت ليس حجراً يتشقق ، بل هو ذاكرة تتنفس ؛ كل زاوية فيه تحفظ صوتاً ، وكل باب يحفظ طرقة يد ودقة جرس، وكل جدار يحفظ ضحكة أمٍّ حبيبةٍ حنونة، وأمان أبٍ عطوف أنهكه التعب من أجلنا ،
البيت يسأل : أين الذين كانوا يملؤونني دفئاً وحناناً؟! أين صوت الأب إذا عاد متعباً حاملاً بين يديه أكياس فاكهة وأرغفةً من العيش الحَبّ؟! أين دعاء الأم صباحاً وهي توقد نارها فجراً استعداداً ليومٍ جديد بوجه صبوح وفرحة وتفاؤل؟!
فيرد الساكنون بدموع لا تجف، بلوعة وشوقٍ وحنين، بدموع الكبار الذين كبروا فجأة بعد رحيل الأحباب، وصاروا يجلسون في المجلس نفسه، لكن مقاعد الأحبة فارغة، وأصواتهم غائبة، وذكراهم بيننا ومعنا على الدوام حاضرة ..
رائحة البيت القديم لا تشبه أي رائحة؛ هي رائحة الأحبة متأصلة بأساساته وجدرانه، وقهوتهم وبخورهم، ورائحة ثيابهم ، ثياب أمي وعباءتها وسجادتها، وشماغ أبي وثوبه المعلقة على جدرانه، رائحة تقول لنا: ما زلت هنا وهناك، ما زلت أحفظهم لكم بأدق تفاصيلهم ..
فالبيت يبكيهم صمتاً، ويئن عليهم بالتشققات والميلان والغبار الذي يكسو نوافذه وحيطانه، وكأنه حزنٌ متراكم لا يمحوه مرور الزمن ..
ونحن نبكيهم جهراً بالدموع عياناً بياناً، ومع كل أذان مغرب وبداية ليلٍ جديد يزداد الأنين؛ لأن هذا كان وقت اجتماعنا الدائم، ووقت لمّتنا التي لا تُعوّض ،
أحبتنا رحلوا إلى رب رؤوف رحيم، وتركوا لنا البيت شاهداً يذكرنا بأن الدنيا رحلة لا بد لها من نهاية، وأن البيوت لا تُبنى بالحجر، بل بمن سكنها وعاش وترعرع فيها ..
فيا بيتنا القديم : رفقاً بنا وبقلوبنا، فنحن مثلك نئن كما تئن؛ أنت بصمتك ونحن بدموعنا وحنيننا وشوقنا، ونحن ننتظر بعدك لقاءً جميلاً عند رب غفور رحيم، لا يضيع عنده من كانوا فيك أيها البيت مجتمعين، وببعد مشيئته سبحانه وتعالى يجمعنا في جناته، جنات النعيم، فرحين مستبشرين على سرر متقابلين .
وختاماً :
نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوَى ...
مَا الحُبُّ إِلاَّ لِلْحَبِيبِ الأَوَّلِ
كَمْ مَنْزِلٍ فِي الأَرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتَى ...
وَحَنِينُهُ أَبَداً لأَوَّلِ مَنْزِلِ .
وكذلك للذكريات :
يا بيتُ يا مهدَ الطفولةِ والمنى ...
رفقاً بقلبٍ ذابَ فيكَ حنينا
جدرانُكَ الصمّاءُ تنطقُ بالهوى ...
وتحيلُ صمتَ الذكرياتِ شجونا .