تنومة… حين تتحول الجبال إلى اقتصاد سياحي واعد
بقلم ــ عبدالله آل شعشاع
في أعالي عسير، حيث تتكئ الجبال على السحاب وتنساب الغابات كلوحةٍ مفتوحة على الدهشة، تقف تنومة اليوم أمام لحظة تحول مفصلية. هذه المحافظة الجبلية، التي عُرفت طويلًا بهدوئها وطبيعتها البكر، لم تعد مجرد مصيف موسمي، بل بدأت تشق طريقها بثبات نحو أن تكون وجهة سياحية مستدامة، تقودها مشاريع نوعية في جبل عبدالله ومنتزه الحيفة، وتؤطرها رؤية وطنية طموحة ترى في السياحة رافدًا اقتصاديًا وثقافيًا لا يقل أهمية عن النفط.
من هنا، لا يمكن النظر إلى ما يحدث في تنومة على أنه تطوير عابر أو استثمار محدود، بل هو إعادة صياغة لدور المكان، وتحويل الجغرافيا من جمال صامت إلى قيمة اقتصادية حية.
في جبل عبدالله، تتجسد هذه الرؤية بوضوح. فالمشاريع القائمة هناك لا تعتمد على البناء الكثيف أو تغيير ملامح الطبيعة، بل على توظيفها بحكمة. الجبل، بارتفاعه وهوائه النقي ومساحاته المفتوحة، أصبح مسرحًا لتجارب سياحية حديثة تقوم على التخييم الفاخر، والمغامرات الجبلية، ومسارات المشي، والاندماج مع الطبيعة. إنها سياحة تبحث عن الإنسان قبل الزائر، وعن التجربة قبل الصورة، وتخاطب فئة متنامية من السياح الذين يرون في الهدوء والخصوصية رفاهية حقيقية.
أما منتزه الحيفة، فيمثل الوجه الآخر لهذه المعادلة. فهو المساحة التي تلتقي فيها العائلة بالطبيعة، والبساطة بالتنظيم. المنتزه، بما يملكه من غطاء نباتي كثيف ومناخ معتدل ومواقع جلوس طبيعية، تحوّل إلى نقطة جذب للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في مجال الضيافة الريفية والنُزل البيئية. هذه المشاريع، رغم بساطتها الظاهرة، تلعب دورًا محوريًا في تنشيط الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل لأبناء المنطقة، وتعزيز مفهوم السياحة المسؤولة التي تحترم المكان ولا تستنزفه.
ومع تكامل جبل عبدالله والحيفة، تتشكل ملامح نموذج سياحي مختلف في تنومة؛ نموذج لا يقوم على الزحام ولا على الاستهلاك السريع، بل على الاستدامة والتنوع. فتنومة قادرة على أن تكون وجهة للسياحة البيئية، ومحطة للهروب من ضغوط المدن، وملاذًا للعائلات، ومقصدًا لعشاق الجبال والمغامرة، في آنٍ واحد.
إن مستقبل السياحة في تنومة لا يُبنى فقط بالمشاريع، بل بالعقلية التي تُدار بها هذه المشاريع. فالتحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على هوية المكان، وإشراك المجتمع المحلي، وتحقيق التوازن بين الاستثمار والحماية البيئية. وهنا، تبرز أهمية الدعم الحكومي، ودور القطاع الخاص، وتكامل الجهود ضمن استراتيجية تطوير منطقة عسير كوجهة سياحية عالمية.
تنومة اليوم لا ترفع صوتها، لكنها تتقدم بثقة. تبني مستقبلها بهدوء يشبه هدوء جبالها، وتراهن على أن السياحة ليست مجرد ترف، بل مسار تنموي طويل الأمد. وإذا استمرت هذه الرؤية في النضج، فإن تنومة لن تكون مجرد اسم على خارطة المصايف، بل قصة نجاح سعودية تُروى عن كيف يمكن للطبيعة أن تكون أساسًا للاقتصاد، وللهوية، وللمستقبل