|

"أصلحوا القلوب قبل يوم عرفة"

الكاتب : الحدث 2026-05-21 06:10:06

بقلم / محمد العتيق  

في أحد الأعوام الماضية، وفي زمنٍ كانت فيه العاطفة تسبق الحكمة، وكانت النفوس لا تزن الأمور بميزانها الحقيقي، عرفت صديقًا من عمري، نشأت بيني وبينه صداقة عميقة امتدت لسنوات. كنا في بلدٍ بعيد عن أوطاننا، تجمعنا الغربة قبل كل شيء، ويجمعنا أيضًا أننا ننتمي لبلدٍ واحد، للمملكة العربية السعودية، فكنا نشعر هناك أننا أقرب لبعضنا من الإخوة.

عشنا أيامًا طويلة معًا، حتى جاء آخر يوم لنا في تلك الغربة، فحدث بيننا سوء تفاهم بسيط جدًا، أمرٌ تافه لا يكاد يُذكر، لكنه كبر فجأة حتى صار بيننا جفاء وصمت وإعراض. أصبح الجميع يلاحظ التوتر بيننا، مستغربين كيف تحولت تلك الصحبة الطويلة إلى هذا البعد في ليلة واحدة.

في تلك الليلة تدخل أخوه الأكبر، وكان أكثر منا نضجًا وخبرة بالحياة، فجمعنا وقال: ما الذي حدث بينكما؟ ولماذا هذا الخلاف؟ ثم بدأ يذكرنا بأن هذه آخر ليلة نجتمع فيها، وأن كلاً منا سيعود غدًا إلى مدينته ومنطقته، وربما لا تجمعنا الأيام مرة أخرى، فهل يعقل أن تنتهي كل تلك السنوات بسبب أمرٍ لا يستحق؟

والله إني حتى هذه اللحظة لا أذكر سبب الخلاف نفسه، من شدة تفاهته، لكني أذكر ذلك المجلس، وأذكر الكلمات التي أذابت ما في النفوس، حتى تصالحنا وعادت الأمور كما كانت.

عدنا إلى بلادنا، وبعد أشهر قليلة اتصل والدي رحمه الله بوالد ذلك الصديق ليطمئن عليه، فكانت الصدمة… لقد توفي الرجل وابنه في حادث مروري.

نزل الخبر علي كالصاعقة، وبقيت أتذكر تلك الليلة طويلًا، وأقول في نفسي: كيف لو أننا افترقنا ونحن متخاصمان؟ كيف سيكون شكل الندم بعد رحيله؟ وكيف سيعيش الإنسان عمره وهو يحمل في صدره كلمة لم يقلها، وسلامًا لم يبدأ به؟

حينها أدركت أن كثيرًا من الخصومات التي تقع بين الناس تافهة جدًا، مهما بدت كبيرة وقتها. فما بالك إذا كان الخلاف بين إخوة، أو أقارب، أو أصدقاء عمر؟ قطيعة، وهجر، وعدم سلام، وترك للسؤال والمواساة، وربما مرت الشهور والسنوات والسبب شيء من أمور الدنيا التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

هناك خصومات لا يفرح بها أحد كما يفرح بها الشيطان. يفرح حين يرى أخوين افترقا، أو قريبين تباعدا، أو صديقين هجر أحدهما الآخر لأجل أمرٍ تافه من أمور الدنيا. فكل قطيعةٍ بين القلوب هي باب يحبه إبليس، وكل رحمٍ تُهجر هي انتصار جديد له.

ولهذا جاء الوعيد شديدًا في أمر الرحم، حتى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الرحم معلقة بالعرش تقول: يا رب هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فيقول الله سبحانه: «أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك».
أي وعيد أعظم من أن يُترك الإنسان بعيدًا عن رحمة الله وتوفيقه وإجابة دعائه بسبب قطيعة رحم أو خصام طال أكثر مما ينبغي؟

نحن نعيش في  أيام عظيمة، أيام العشر المباركة، الأيام التي ترفع فيها الأكف، وتفيض فيها الدموع، ويقف الناس فيها يسألون الله المغفرة والرحمة وقضاء الحاجات. وفي يوم عرفة خاصة، تتعلق القلوب بالله وحده، يرجو كل إنسان أن يسمع الله دعاءه ويكتب له القبول والرضا. فكيف يرجو المرء الإجابة وفي قلبه شحناء، وبين يديه رحم قد هجرها، أو أخٌ قطعه، أو قريب أعرض عنه لأجل كلمة أو موقف أو أمرٍ من أمور الدنيا الزائلة؟

الدنيا كلها لا تستحق أن يخسر الإنسان بسببها أخًا أو أختًا أو قريبًا. هذه الدنيا طريق نعبره، وليست وطنًا أبديًا نقيم فيه. خلقها الله لتكون مزرعةً للآخرة، يتزود الإنسان فيها بالطاعة والعمل الصالح، ومن أعظم ما يحبه الله صلة الرحم وصفاء القلوب والعفو عن الناس.

ما أجمل أن يقف الإنسان مع نفسه في هذه الأيام المباركة ويقول: سأهزم الشيطان هذه المرة، سأذهب بنفسي، سأبادر بالسلام، سأعتذر حتى لو كنت أرى أن الحق معي، فما عند الله أعظم، وما يكتبه الله للمتسامحين أوسع من أن تدركه العقول.

كم هو جميل أن يرفع الإنسان يديه إلى السماء ويقول:
يا رب، أنت تعلم ما في قلبي، وتعلم أني تنازلت ابتغاء مرضاتك، أصل رحمي طمعًا في رحمتك، وأعفو عمن أخطأ علي طلبًا لعفوك، فلا تحرمني فضلك يا كريم.

وقد ضرب لنا السلف أروع الأمثلة في سلامة الصدر، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة»، فدخل رجل بسيط الهيئة، يقطر الماء من وضوئه. وتكرر الأمر ثلاثة أيام، حتى تعجب أحد الصحابة من عمله، فذهب إليه وبات عنده ليرى ماذا يصنع، فلم يجد كثرة صلاة ولا صيامًا زائدًا عن الناس. فلما سأله عن السر قال الرجل: ما هو إلا ما رأيت، غير أني أبيت كل ليلة وليس في قلبي غلٌّ على أحد، وقد سامحت من أخطأ علي.

هنا أدرك الصحابي سر تلك المنزلة العالية، فقال: هذه التي بلغت بك.

سلامة القلب عبادة عظيمة، لكنها ثقيلة على النفوس، لأن النفس تحب الانتصار، وتحب أن تتمسك بحقها، بينما المؤمن الحقيقي يبحث عما يقربه من الله، حتى لو تنازل عن بعض ما يحب.

كم من إنسان ندم بعد رحيل قريب أو أخ أو صديق، تمنى لو أن الأيام تعود دقيقة واحدة فقط ليقول كلمة اعتذار أو يبدأ بالسلام أو يضم ذلك الغائب إلى صدره قبل أن يرحل بلا عودة. لكن الأعمار إذا انقضت لا تعود، والفرص إذا مضت قد لا تتكرر.

لهذا، لا تجعلوا بينكم وبين من تحبون جدرانًا من الكبرياء. بادروا، اقتربوا، تصافحوا، سامحوا، فإن الدنيا أقصر من أن تُهدر في الخصام، والقلوب النقية هي التي تنجو وتطمئن وتفوز برضا الله.

وفي هذه الأيام المباركة، ما أجمل أن نستقبلها بقلوب نظيفة، خالية من الحقد والقطيعة، راجية من الله القبول والمغفرة، فإن الله يحب القلوب التي تعفو، ويحب النفوس التي تصل، ويبارك لمن أصلح ما بينه وبين الناس.