|

السعودية والحج قصة ملهمة تتجدد كل عام

الكاتب : الحدث 2026-05-29 02:48:42

*بقلم: علي بن أحمد الزبيدي*
*عضو الاتحاد الدولي للغة العربية*

منذ أن بدأت الذاكرة تعي تفاصيل العالم وتفرّق بين العادي والمبهر، عبرت أمامنا أحداثٌ كثيرة، تلاشت كظلال عابرة، لكن مشهداً واحداً ظل عصياً على النسيان، يتجدد كل عام بملامح أكثر دهشة، وبتطور يذهل العقول؛ إنه مشهد الحج في هذه الأرض المباركة. 
وفي موسم (1447هـ)، لم يكن الحج مجرد اجتماع لتأدية ركن من أركان الإسلام يجتمع فيه الناس من كل حدب وصوب ثم يمضون دون أن يبقى خالدًا في أذهانهم، بل كان صورة من أبهى صور العطاء التي تجلّت فيه المملكة العربية السعودية ؛لتقدم للعالم درساً استثنائياً في "فلسفة إدارة الحشود" وصناعة الضيافة لضيوف الرحمن؛ كتقليد سنوي صارم لا يقبل الصدفة، ولا يتسامح مع التقصير.

إن ما نعيشه اليوم في المشاعر المقدسة ليس نجاحاً عابراً يولد ويموت في وقته، بل هو الثمرة الناضجة لرؤية طموحة صاغتها قيادة حكيمة يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ويعضد بنيانها مهندس التطوير وعرّاب الرؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -يحفظهما الله-، ولعل التجلي الأبرز لهذا العصر الجديد يكمن في اختزال الجغرافيا والزمن عبر "الهوية الرقمية" للحاج؛ فمنذ لحظة وصوله، تصبح بطاقته الرقمية الذكية هي مفتاحه السحري للمواصلات، السكن، والخدمات الطبية، لتدشن المملكة بذلك عصراً يذوب فيه الورق وتتكامل فيه البيانات لتوفير سبل الراحة والأمان.

وخلف هذا المشهد المهيب، تقف سواعد مخلصة وعيون ساهرة، يدعمها تفوق تقني غير مسبوق في الأجواء والميدان، فبينما تحلق الطائرات بدون طيار (الدرونز) في سماء المشاعر لرصد حركة الحشود، ومراقبة السلامة العامة بدقة متناهية، وإيصال الوحدات الدموية والعينات الطبية الطارئة بين المستشفيات في دقائق معدودة، خطفت سماء مكة الأنظار بدخول "التاكسي الطائر" كخدمة نقل نوعية ومستقبلية تختصر المسافات وتضمن تنقلاً فائق السرعة للحالات الحرجة وضيوف الرحمن، وفي الأرض، يكتمل المشهد الإنساني بجهاز أمني يدمج بين حزم القائد ولين الأخ ليرسم لوحة أمان عزّ نظيرها، إلى جانب جيشٍ أبيض من كوادر الصحة والإسعاف الذين يبلسمون التعب بابتسامة لا تغيب.

إنّ هذا التناغم المذهل لم يعد يعتمد على الحلول التقليدية؛ بل سخرت المملكة الذكاء الاصطناعي لإدارة التدفقات البشرية عبر خوارزميات تتنبأ بالازدحام قبل حدوثه وتوجه الحشود بسلاسة فائقة، وفي أروقة الحرم والساحات، تحولت الروبوتات الذكية إلى رفيق يومي لضيوف الرحمن؛ فمنها ما يوزع مياه زمزم المباركة، ومنها روبوتات الفتوى والتوجيه التي تجيب الحجاج بجميع لغات العالم، وروبوتات التعقيم والخدمات اللوجستية، لتعمل جنباً إلى جنب مع الإنسان في سيمفونية تقنية مبهرة.

إن هذا التطور الذي يفوق الوصف يثبت أن خدمة الحرمين الشريفين لدى المملكة ليست مجرد واجب تتشرف به، بل هي رسالة وجودية وقيمة أصيلة متجذرة في وجدان القيادة والشعب معاً.
لقد جعلت المملكة من الحج ورشة عمل لا تتوقف، ويكمن سر النجاح السلس في كواليس تلك الورش الاستباقية؛ فالخطط والتنظيم لا تولد قبل الموسم بشهر أو شهرين، بل هي عملية دائرية (حولية) تبدأ من حيث ينتهي الحج، وتنتهي حيث يبدأ، وفي كل عام، تفاجئنا هذه العقول الوطنية بابتكارات وإضافات تجعل المراقب يتساءل: من أين يتدفق كل هذا الشغف؟ 
إنها عقول نذرت نفسها للخدمة، لا تعرف الكلل أو الملل، بل تنافس نفسها في تحدٍّ سنوي لتتفوق على نجاحها السابق.
 همسة الختام:
المملكة العربية السعودية لا تدير الحج كحدثٍ موسمي فحسب، بل تطوّع أحدث تكنولوجيات العصر لتصنع للتاريخ مجداً، وللإنسانية نموذجاً يُحتذى، وللأمة الإسلامية ملاذاً من الأمن والأمان الروحي والرقمي.

اللهم احفظ خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، واجزهم خير الجزاء على ما قدموا ويقدمون للإسلام والمسلمين، وأدم على هذه البلاد أمنها، واستقرارها، وريادتها العالمية.