الأُضحية بين التعظيم والسخرية
بقلم: حسن المباركي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الأزمنة الماضية، كان الناسُ يُعظِّمُون الشعائرَ ويُقَدِّرونها؛ إدراكًا منهم أن بعض المعاني أجلُّ من أن تُختزل في ضحكةٍ عابرة لا تليق بجلالها وعظمتها.
ومن أبرز تلك الشعائر شعيرة الأضحية، التي تعود جذورها إلى موقف الخليل إبراهيم عليه السلام، حيث غدت منذ ذلك المشهد العظيم رمزًا ممتدًّا للطاعة والتسليم والتعظيم.
ولكي يُدرَك معنى هذا التحول على حقيقته، لا بد من العودة إلى الأصل الذي تشكّلت منه هذه الشعيرة، إلى اللحظة الأولى التي وُلد فيها معنى الامتثال في أعظم صوره.
في ذلك الفجر البعيد، كان الخليل إبراهيم عليه السلام يسير بابنه إلى ذروة الطاعة واليقين، حيث يتجلّى الامتحان الإلهي في أعمق معانيه، إذ يُمتحن الإنسان في مقامٍ يُقدِّم فيه أمر الله على أحبِّ ما تملكه نفسه. وكان إسماعيل عليه السلام ثابتَ القلب والخُطَا، قد امتلأت روحه سكينةً وتسليمًا، حتى غدت الطاعة أسبق من الخوف، والامتثال أعلى من التردد.
وفي تلك اللحظة ارتفع معنى الإيمان فوق العاطفة البشرية، وتقدّمت محبة الله على كل تعلّقٍ دنيوي.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الأضحية مجرد فعلٍ يُؤدَّى، بل صارت معنىً ممتدًّا في الوجدان الإسلامي، يختزن دلالات الفداء، ويستحضر روح الامتثال، ويعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعنى، حين يتقدّم الواجب الإلهي على الميل البشري.
إلا أن هذا المعنى أخذ يتراجع في الزمن المعاصر، زمن المقاطع السريعة؛ فمع كل موسم عيد، تتدفّق على المنصات الرقمية مقاطع تُعيد تصوير الأضحية في صورةٍ ساخرة، بين مطاردةٍ وضحكات وتعليقاتٍ، حتى غدت عند بعض الناس مادةً للترفيه العابر، أكثر من كونها شعيرةً تعبُّدِيَّةً ذات جلالٍ ومعنى.
ولا يقتصر أثر هذا الطرح على حدود الترفيه العابر، بل يمتد إلى نظرة الناس إلى الشعائر وطريقة تعاملهم معها؛ إذ تتحول مع كثرة التكرار من معانٍ تُستحضر بالتعظيم والتوقير إلى مشاهد يغلب عليها جانب التسلية والضحك.
ومع أن العيد موسمُ فرحٍ وسرور، والإسلام يحث على إظهار ذلك، فإن الفرح يفقد توازنه حين تُنزَع من الشعائر عظمتها، ويطغى الجانب الترفيهي على ما تحمله من معانٍ إيمانية.
وليست المشكلة في ابتسامةٍ عابرة، وإنما في اعتياد هذا الأسلوب حتى تضعف هيبة الشعائر في النفوس شيئًا فشيئًا.
وتكمن خطورة المنصات الحديثة في أنها لا تقتصر على نقل المشهد، وإنما تُسهم كذلك في تشكيل طريقة النظر إلى الشعائر؛ فالطفل الذي يرى الأضحية في مشاهد ساخرة متكررة، تتكوّن في ذهنه صورةٌ بعيدة عن حقيقتها، وتترسخ في ذاكرته لحظاتُ الضحك أكثر من معاني التقرّب إلى الله، حتى تنتقل الشعيرة من مقام التعظيم إلى مشهدٍ يغلب عليه الترفيه والضحك.
ومن هنا جاء في القرآن الكريم: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾؛ لأن التعظيم ليس مظهرًا خارجيًّا فحسب، بل هو حالةٌ داخلية تحفظ للمعاني قدسيتها، وتصونها من أن تتحول إلى مادةٍ عابرة في ضجيج التداول اليومي.
كما يمتد أثر هذا التحول إلى تشكيل الذائقة العامة ومعايير التلقي في المجتمع. فعندما تُقدَّم الشعائر في مقاطع متكررة من السخرية، يتكوّن وعيٌ تدريجيٌّ يعتاد التهكّم أسلوبًا في التعامل مع ما هو عظيم، وتضعف معه القدرة على التمييز بين مواضع الضحك ومواضع التوقير، فتتراجع الهيبة في الوجدان، ويصبح الاستخفاف نمطًا مألوفًا في التلقي العام.
إن الحاجة اليوم إلى وعيٍ يحفظ التوازن، حتى يبقى للعيد بهجته، وللشعائر وقارها، وللقلب ذلك الشعور الصامت، الذي يدرك أن بعض المعاني أكبر من أن تُختزل في لقطةٍ عابرة أو ضحكةٍ ساخرة، وأن تعظيم الشعائر أصلٌ راسخ في بناء الوعي الديني، وحفظ حرمة المقدسات.
وإن من أخطر ما يمسّ حرمة شعائر الله اليوم أن يُتعامل معها على سبيل الاستخفاف أو تحويلها إلى مادةٍ للضحك والتسلية؛ فإن ذلك منافٍ لمقاصد الشرع في تعظيم حرماته، ومضعِفٌ لهيبة الدين في النفوس، ومؤدٍّ إلى تآكل الحسّ الديني تجاه قدسية الشعائر ومكانتها.
فينبغي للمسلم أن يُحسن تعامله مع شعائر الدين، وأن يُعظِّم ما عظَّمه الله، وألا يجعلها مادةً للتسلية أو موضعًا للتهوين؛ فإن ذلك لا ينسجم مع مقاصد الشريعة في تعظيم حرماتها.
كما يحرص على حفظ نفسه ولسانه وسمعه عن كل ما يُضعف هيبة الشعائر أو يُخلّ بمكانتها؛ فإن تعظيمها من علامات تقوى القلوب، ومما يورث الطمأنينة في النفس، والاستقامة في السلوك، وحسن الأدب مع شعائر الله.