"عصر التشتّت...الانسان حاضر غائب!"
بقلم: د. بجاد خلف البديري
مستشار الشراكات الاستراتيجية
في مقال سابق بعنوان “اقتصاد الانتباه”، تناولت كيف تحوّل انتباه الإنسان إلى مورد تتنافس عليه المنصّات والتطبيقات والشّركات الحديثة بصورة غير مسبوقة، حتى أصبح الوقت والتّركيز جزءاً من معادلات الاقتصاد الرقميّ الجديد. لكن ما نعيشه اليوم يتجاوز مجرّد التّنافس على الانتباه؛ فنحن أمام حالة مستمرّة من التشتّت، جعلت الإنسان حاضرًا في كلّ شيء وغائباً عن نفسه و واقعه الحقيقيّ في الوقت ذاته.
المشكلة الكبرى في هذا العصر لم تعد “السّرعة” فقط، بل التشظّي الذّهنيّ الذي يرافق الإنسان يوميّاً دون أن يشعر. كل شيء حولنا يحاول انتزاع انتباهنا؛ إشعارات لا تتوقّف، أخبار متلاحقة، مقاطع قصيرة، آراء متضاربة، ومنصّات تتنافس على خطف أكبر قدر ممكن من الوقت والتّركيز.
حتى بات الإنسان ينتقل بين عشرات المواضيع في دقائق معدودة، دون أن يمنح أي فكرة حقّها الحقيقي من التأمّل أو الفهم أو الانتباه الحقيقيّ. ولعلّ أخطر ما في الأمر أن التشتّت لا يسرق الوقت فقط، بل يستهلك جودة التّفكير نفسها.
في الماضي، كانت كثير من الأفكار العظيمة تولد من العزلة المؤقّتة، ومن المساحات الهادئة التي تسمح للعقل بالتأمّل والتحليل وربط التّفاصيل ببعضها. أما اليوم، فأصبح الوصول إلى حالة “التّركيز العميق” تحديًا حقيقيًا، بل أمر شبه مستحيل حتّى لدى أكثر الناس انضباطاً، وهو ما قد ينعكس سلباً على أداء الإنسان لمهامّه اليوميّة.
المفارقة أن التقنيّة_الّتي يفترض أن تختصر الجهد_أصبحت أحياناً سبباً مباشرًا في استنزاف الذهن.
فنحن نملك وصولًا غير مسبوق للمعلومات، لكننا في المقابل نعاني من فوضى معرفيّة هائلة. نقرأ أكثر… لكن بتركيز أقل، نتابع أكثر… لكن بعمق أقل، نتواصل باستمرار… لكن بجودة إنسانيّة و حضور أقلّ. كمن يرى كلّ شيء لحظيّاً، لكن لا رؤية واضحة لشيء ولا صورة واضحة حتى، كمن يبصر بلا بصيرة، وضرير القلب أشدّ مرارة من كفيف النظر.
ولهذا، لم تعد المهارة الأهمّ اليوم هي الوصول إلى المعلومات، بل القدرة على إدارة الانتباه.
الشخص القادر على حماية تركيزه، وتنظيم وقته، وعزل الضوضاء من حوله، يملك ميزة حقيقيّة في هذا العصر.
لأن الإنجازات الكبرى لا تصنعها العقول المنشغلة بكلّ شيء، بل العقول التي تعرف جيّداً أين تضع طاقتها، ومتى تتوقّف، وماذا تتجاهل.
و ما قد لا يدركه الكثيرون أن التشتت المستمر لا يسرق الوقت فحسب، بل يخلق فجوة بين الانسان و ذاته. فكلما غصنا في ضوضاء العالم الرقمي، أصبح من الصعب علينا التوقّف والاستماع إلى أصواتنا الداخلية، وفهم ما نريد فعلاً، و ما نؤمن به حقا، و هكذا قد يتحوّل التشتّت من مجرد تحدٍّ للتركيز إلى تحدٍّ للهويّة، يجعلنا نتفاعل مع العالم بشكل آلي، بدل أن نعيش كل لحظة من حياتنا بوعي و إدراك ذهنيّ وعاطفيّ كاملين غير منقوصين.
حتى على مستوى العلاقات الإنسانيّة، أصبح التشتّت يؤثر على جودة الحضور. كثيرون يجلسون مع من يحبونهم بأجسادهم فقط، بينما عقولهم معلقة بالهاتف أو العمل أو الضجيج الرقمي المستمرّ.
وكأنّ الإنسان بات حاضراً وغائباً في اللحظة نفسها.
فالهدوء لم يعد رفاهيّة، والتّركيز لم يعد مهارة إضافيّة، بل أصبحا ضرورة للحفاظ على جودة الحياة، و صفاء التفكير، وحتى حقيقة المشاعر.
وربّما لهذا السّبب، لم يعد الحديث عن “اقتصاد الانتباه” ترفًا فكريّاً، بل محاولة لفهم كيف تغيّرت علاقتنا بالوقت، والتّركيز، وحتى بذواتنا، في عصر أصبح فيه انتباه الإنسان هو المورد الأغلى…والعملة الأشدّ ندرةً...والأكثر استنزافاً.