الشريك الأدبي يصنع جسور الثقافة
بقلم خليل القريبي
مستشار إعلامي
أتابع بإعجاب ما تقدمه هيئة الأدب والنشر والترجمة من مبادرات متنوعة ورائدة، وفي مقدمتها مبادرة الشريك الأدبي في رحاب مختلف مقاهي المملكة، والتي تحولت بدورها إلى صالونات ثقافية وأدبية تحتضن نخبة المثقفين والأدباء من شتى أنواع الأدب، وتحتفي بهم وتمنحهم الفرصة للالتقاء بجمهورهم وجهاً لوجه، وما تتخلله هذه اللقاءات أيضاً من حوارات مباشرة ذات قيمة عالية، يتبادل فيها الجميع الفائدة والأثر. تتجاوز أهمية هذه المبادرة حدود تنظيم اللقاءات والفعاليات الأدبية إلى الإسهام في بناء علاقة أكثر قرباً بين الثقافة والمجتمع، إذ يكتسب الحراك الثقافي زخمه الحقيقي عندما يغادر القاعات المغلقة إلى الفضاءات اليومية المفتوحة، وحين تصبح المعرفة جزءاً من المشهد الاجتماعي المعتاد، مما يتيح للناس الالتقاء بصورة طبيعية وتلقائية ضمن تفاصيل حياتهم اليومية. من هنا يمكن قراءة الأثر المتنامي الذي حققته مبادرة الشريك الأدبي خلال مواسمها الخمسة المتعاقبة، حيث أسهمت في إعادة تشكيل حضور المقاهي داخل المشهد الثقافي المحلي، ومنحتها بُعداً معرفياً موازياً لدورها الاجتماعي، وأصبحت بالتالي محطات لقاء تحتضن الحوار والفكرة والكتاب، وتفتح نوافذ مباشرة بين المبدعين والجمهور، في تجربة ثقافية تتسم بالقرب والمرونة والقدرة على الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع.
وفي موسمها الخامس واصلت المبادرة أداء هذا الدور بكفاءة لافتة، وأسهمت في الارتقاء بالمقاهي المشاركة لتكون منابر جماهيرية أنيقة للثقافة والأدب، احتضنت الكتَّاب والمفكرين والمبدعين، ومنحت الجمهور فرصة التفاعل المباشر معهم والاستماع إلى تجاربهم ورؤاهم الفكرية والإبداعية، وعكس هذا التوجه فهماً متقدماً لأهمية الثقافة كممارسة مجتمعية حية تتجدد من خلال الحوار والتفاعل الإنساني المباشر. والجميل جداً في المبادرة أنها لم تغفل عن جانب مهم يتعلق بصناعة الأجيال الجديدة من المبدعين، من خلال توفير منصات ثقافية حقيقية تتيح الفرص للمواهب الشابة للظهور والمشاركة، وقد تجسد ذلك بوضوح في الأمسيات الأدبية المخصصة للأطفال واليافعين، التي احتضنتها الكثير من مقاهي المملكة، ومنها تلك التي استضافها صالون روشن الثقافي بمكة المكرمة نهاية الأسبوع الفائت، بمشاركة ابنيَّ؛ الروائي اليافع مهنا خليل والروائية الأصغر في المملكة غنى خليل، في لقاء أدبي استعرضا خلاله تجربتيهما في التأليف والنشر المبكر، وسط حضور من المهتمين بالأدب والكتابة الإبداعية.
أصبحنا اليوم ندرك أن مبادرة الشريك الأدبي تحمل في جوهرها رؤية ثقافية تستحق الإشادة، لأنها تنطلق من مبدأ توسيع دائرة الوصول إلى الثقافة، وتعزيز حضور الأدب في الحياة العامة، وبناء جسور مستدامة بين الكاتب والقارئ، فالمشروعات الثقافية تقاس بقدرتها على صناعة أثر متراكم يرسخ عادة القراءة والحوار والتفاعل المعرفي، ويمنح المجتمع فرصاً متجددة للانخراط في الفعل الثقافي. ومع استمرار المبادرة في التوسع والانتشار، وهذا هو المأمول والمرجو، تتعزز مكانة المقاهي الثقافية كجزء أصيل من البنية الثقافية المحلية، وتتسع مساحة اللقاء بين الأدب والمجتمع، في صورة تعكس حيوية المشهد الثقافي الوطني، وتؤكد أن الاستثمار في الثقافة يبدأ من الإنسان، وينمو عبر المنصات التي تمنحه فرصة المشاركة والتفاعل وصناعة الأثر.
ونحن معشر المؤلفين والكتاب، إذ نشد على أيدي القائمين على مبادرة الشريك الأدبي، فإني أرى أن ما تحقق خلال المواسم الخمسة الماضية يشكل أرضية مناسبة للانتقال إلى مبادرات معرفية موازية، من بينها تشجيع المقاهي الثقافية على إصدار نشرات أو مجلات أدبية دورية، إلى جانب منصات رقمية متخصصة تُعنى بتوثيق الحراك الثقافي المحلي والتعريف بالمواهب والتجارب الإبداعية، وفي تقديري أن مثل هذه الخطوة ستضيف بعداً معرفياً جديداً للمبادرة مع انطلاقة موسمها السادس المرتقب، وتسهم في تحويل الأثر الثقافي من لقاءات موسمية إلى محتوى مستدام يمتد حضوره على مدار العام.