|

*موائد الجنوب الصيفية ..*

الكاتب : الحدث 2025-08-30 08:51:56

بقلم ــ المستشار : محمد بن سعيد أبوهتله
-------------------------------------


في الجنوب كرم مُتجذر يفوح عبقه مع نسائم الجبال ، ففي كل صيف حين تهب نسائم الجبال وتكتسي بالخضرة والجمال ، تستعد قرى الجنوب لاستقبال زوارها من شتى مناطق المملكة ودول الخليج. وهنا يتجلى الكرم الجنوبي في أبهى صوره؛ فعند اللقاء بالقادمين يحرص الأهالي على دعوتهم بصدق القلب: “تفضل على الفطور أو الغداء أو العشاء”، وكأن الضيف ابن الدار وإن كان غريبًا لم يسبق لقاؤه.

هذا السلوك ليس عادة عابرة، بل ميراث ضارب في الجذور، حمله الأبناء عن الآباء والأجداد. وهو كرم لا ينتظر جزاءً ولا مديحًا، وإنما ينبع من طبيعة النفس الجبلية التي ترى في الضيافة واجبًا، وفي إكرام الغريب سعادة وراحة ضمير.

وعلى الموائد، تزداد الصورة وضوحًا: ففي وجبات الفطور أو “الوصل” عصرًا، تُقدّم أصناف تراثية متوارثة مثل العريكة والمشغوثة والمبثوثة والمصبع (التصابيع)، وإلى جوارها خبز البر الطازج المخبوز في الميفا أو التنور، مع السمن البري والعسل الجبلي واللبن الأبيض. وربما تزينت المائدة بلحم “الحنيذ” المطهو تحت الأرض، وهو طبق لا تمنحه نكهته الفريدة إلا جبال الجنوب وسهولها وهواؤها.

أما في الغداء والعشاء، فالمشهد أكثر اتساعًا؛ الذبائح من الأغنام أو الماعز أو الإبل تتصدر الولائم، وأحيانًا تجتمع كلها في مناسبة كبرى، ليصبح المشهد لوحة من الجود الذي لا يعرف نصفًا ولا نقصانًا. وهنا تترسخ مقولة الشاعر الجنوبي:
“الجنوبي عن سلوم الضيافة ما يحيد – يستقبل الضيفان ويثني القدر ويزيد”.

وللترحيب في الجنوب لغة خاصة، تختلف من قبيلة إلى أخرى. ففي ديار قحطان ويام وشهران يجلجل الصوت بصرخة “أرحبوا”، وفي بلاد عسير تتردد عبارة “مرحبا ألف”، وفي بلاد الحجر يُقال “مرحبالي”، بينما يصدح أهل غامد وزهران بـ”مرحبا هيل عد السيل”. وكلها عبارات ليست مجرد كلمات، بل مفاتيح قلوب، وزاد قبل الطعام.

إن الكرم في الجنوب ليس تبذيرًا ولا مباهاة، بل هو خلق نبيل يوازن بين الجود والاعتدال. فهو امتثال لحديث النبي ﷺالذي رواه عبدالله بن عمر : “خلقان يحبهما الله: حسن الخلق، والسخاء”. وفي الوقت ذاته، يبتعد عن الإسراف الذي ذمّه الله بقوله: “إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين”.

وهكذا، يبقى الكرم الجنوبي علامة فارقة، يجمع بين سماحة الدين وطيب الأصل، ويمنح الزائر تجربة لا تُنسى، حيث تختلط نكهة الطعام بدفء الاستقبال، فيتذوق الضيف طيب المكان وكرم الإنسان معًا.